فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 137

ومثله بيع العينة، الذي رواه أبو إسحاق السَّبيعي، عن امرأته العالية، أنها دخلت على عائشة في نسوة فسألتها امرأة فقالت: يا أم المؤمنين كانت لي جارية فبعتها من زيد بن أرقم بثمان مئة إلى أجل، ثم اشتريتها منه بست مئة، فنقدته الست مئة، وكتبت عليه ثمان مئة؟ فقالت عائشة: بئس والله ما اشتريتِ، وبئس والله ما اشتري، أخبري زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه و سلم، إلا أن يتوب! فقالت المرأة لعائشة: أرأيت إن أخذتُ رأس مالي ورددتُ عليه الفضل؟ قالت: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} [البقرة:275] ، أو قالت: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} الآية [البقرة:279] [1] .

يقول الإمام ابن القيم في (الإعلام) :

(النية رُوح العمل ولبُّه وقِوامه، وهو تابع لها، يصحُّ بصحَّتها، ويفسد بفسادها، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال كلمتين كَفَتَا وشَفَتَا، وتحتهما كنوز العلم، وهما قوله:"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى" [2] ، فبيَّن في الجملة الأولى: أن العمل لا يقع إلا بالنية، ولهذا لا يكون عمل إلا بنية ثم بيَّن في الجملة الثانية: أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعمُّ العبادات والمعاملات، والأيمان والنذور، وسائر العقود والأفعال.

وهذا دليل على أن مَن نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا، ولا يعصمه من ذلك صورة البيع، وأن مَن نوى بعقد النكاح التحليل كان محلِّلا، ولا يخرجه من ذلك صورة عقد النكاح؛ لأنه قد نوى ذلك، وإنما لامرئ ما نوى؛ فالمقدمة الأولى معلومة بالوجدان، والثانية معلومة بالنصِّ. وعلى هذا فإذا نوى بالعصر (عصر العنب) حصول الخمر كان له ما نواه، ولذلك استحقَّ اللعنة، وإذا نوى بالفعل التحيُّل على ما حرَّمه الله ورسوله كان

(1) - رواه عبد الرزاق (14812) ، والدارقطني (3/ 52) ، كلاهما في البيوع، وعزاه الزيلعي: إلى مسند أحمد وساق سنده - ولم أقف عليه في المطبوع، ولا في أطراف المسند لابن حجر - وقال: قال في التنقيح، هذا إسناد جيد، وإن كان الشافعي قال: لا يثبت مثله عن عائشة، وكذلك الدارقطني، قال في العالية: هي مجهولة، لا يحتج بها، فيه نظر، فقد خالفه غيره، ولولا أن عند أم المؤمنين علما من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد، انتهى. وقال ابن الجوزي: قالوا: العالية امرأة مجهولة لا يقبل خبرها، قلنا: بل هي امرأة معروفة جليلة القدر، ذكرها ابن سعد في الطبقات فقال: العالية بنت أيفع بن شراحيل امرأة أبي إسحاق السبيعي سمعت من عائشة. نصبب الراية (4/ 16) .

(2) - سبق تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت