وهم يحرِّمون هذه ويحلُّون تلك. وأصبح هذا - للأسف الشديد - اتجاها معروفا يقرِّره مجموعة معروفة تهدِّد البنوك الإسلامية بالخطر، إذا استمر توجُّهها هذا وتفاقم، ولم يُقاوَم.
والعجيب أن هؤلاء العلماء ينكرون على مذهب الظاهرية، ويقولون بتعليل الأحكام، ويؤمنون بأن للشارع مقاصد وحِكَما في كلِّ ما يشرعه، وخصوصا في المعاملات. وربما كان لهم كتب أو محاضرات في ذلك، ولكنهم عند التطبيق يتجاهلون ذلك، ويفتون بهذه الحيل الجديدة، التي ضجَّ منها كثير من العلماء، ومن أصحاب البنوك نفسها. فقد شكا إليّ فضيلة الشيخ محمد تقي العثماني العالم الباكستاني الكبير، نائب رئيس المجمع الفقهي الدولي، ورئيس المجلس الشرعي في هيئة المحاسبة العامة للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، من خطر الاتجاه الذي تبنَّاه بعض إخواننا، الذي يعتمد الصورية والشكلية، ولا يقيم وزنا للمقصد والمعنى، وطلب منِّي أن أدعو العلماء أو عددا منهم للاجتماع لتداول الموقف أو مواجهته، ولم يتيسَّر لي ذلك بعد.
ومنذ سنوات دعا صديقنا الشيخ صالح كامل رئيس مجموعة بنوك البركة، ومؤسِّس ندوة البركة الاقتصادية الإسلامية السنوية، التي استمرَّت ما يقرب من ثلاثين سنة، دعا إلى ندوة في رمضان، لتواجه (التورُّق المصرفي) ، الذي تبنَّته بعض لجان الفتوى والرقابة الشرعية، وأجازته وسمَّته (التورُّق المبارك) ، وحضر جمٌّ غفير من العلماء، كنت واحدا منهم. وقدَّموا بحوثا ومناقشات قيِّمة للردِّ على هذا التصرُّف، وقدَّم أخونا العلامة الشيخ صالح الحصين بحثا أصيلا، يفنِّد فيه ما تورَّط بعض البنوك الإسلامية فيه من معاملات تسمَّى (إسلامية) ، وهي في حقيقتها (ربوية) .
ومنذ سنين وأنا أصرخ في إخواني من أعضاء هيئات الرقابة الشرعية: أن يتقوا الله في هذه المصارف الإسلامية، التي أصبحت أمانة في أعناقهم، ووثق بها المسلمون، وأمست تتسع يوما بعد يوم، وأحذِّرهم أن تصبح إسلامية بالاسم والعنوان، لا بالروح والجوهر، فالعبرة في الاسلام وشريعته للمسمَّيات والمضامين لا للأسماء والعناوين، وقد جاء في بعض الآثار: أنه يأتي على الناس زمان يستحلُّون فيه الربا باسم البيع.