ومنه: شربة السقَّاء، (وهو الذي يسقي الناس بما يرويهم، بثمن معلوم، مع تفاوتهم في مقدار ما يرويهم، ولكن جرى العرف بالتسامح فيه) .
ومنها: الإفتاء بصحة (بيع الوفاء) أقول: وقد مرَّ من قبل شرحه مما نقلنا من كلام الأستاذ مصطفى الزرقا حين كثر الدين على أهل بخارى، وهكذا بمصر، وقد سمَّوه (بيع الأمانة) ، والشافعية يسمونه (الرهن المعاد) ، وهكذا سماه به في (الملتقط) وفي (القنية) و (البغية) : يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح) [1] اهـ.
وقد فسر العلامة الزرقا العموم والخصوص في هذه القاعدة، بما ينفي الفهم المتبادر منها، أن المراد بالحاجة الخاصة الفردية فقال: (والمراد بكونها خاصة أن يكون الاحتياج لطائفة منهم كأهل بلد أو حرفة، تظير ما تقدم في معنى العرف العام والخاص. وليس المراد بخصوصها أن تكون فردية.
ومعنى القاعدة: أن التسهيلات التشريعية الاستثنائية لا تقتصر على حالات الضرورات، بل حاجات الجماعة مما دون الضرورة توجب التسهيلات الاستثنائية أيضا، كما تتضح من التفاريع التالية:
1 -فعلى هذا الأساس شُرعت بنصوص الشريعة الأصلية أحكام من قبيل الاستثناء من قواعدها العامة للاحتياج إليها. فقد ورد مثلا في السنة أن النبي عليه الصلاة والسلام: نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان [2] ، ورخص في السَّلمَ [3] . فترخيص الشريعة في السَّلَم، مع أنه بيع المعدوم الذي منعه النص العام، إنما هو نظر لحاجة كثير من الناس إلى بيع منتوجاتهم واستلاف أثمانها قبل إنتاجها للاستعانة على الإنتاج، ولذا اشترط فيه تعجيل الثمن.
2 -وعلى هذا الأساس أيضا جوز الفقهاء في الأحكام الاجتهادية بيع الثمار التي تتلاحق في الظهور متى بدا بعضها وأمن العاهة، وإن كان معظمها معدوما لم يبد بعد، نظرا للحاجة.
(1) - الأشباه والنظائر لابن نجيم صـ 91، 92.
(2) - رواه أحمد (15311) وقال مخرجوه: صحيح لغيره، وأبو داود في الإجارة (3503) ، والترمذي (1232) وقال: العمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، والنسائي (4613) كلاهما في البيوع، وابن ماجه في التجارات (2187) ، وصححه الألباني في المشكاة (2867) ، عن حكيم بن حزام.
(3) - متفق عليه: رواه البخاري في السلم (2239) ، ومسلم في المساقاة (1604) ، عن ابن عباس.