إن كل قطرة منها وقعت في يد الله قبل أن يبلل بها الثرى، والذين انتدبوا لجهاد اللصوص الحمر كانوا يبصرون قصدهم، ويعرفون اليقين ماذا سيلقون من أعدائهم، ومدى ما يفيدون به دينهم وأمتهم. ذلك. والجهاد الذى فرضه الله لا يقوم المؤمن به لوطن يستحق أو لا يستحق إنه يقوم به لله، أداء للواجب وفراغا للذمة، وخروجا به من تبعه التخلف. فأما تقدير الناس لهذا الجهاد، أو استخفافهم به فأمر ليس له في حساب المجاهدين وزن. إن المجاهد المخلص لم يخرج لترى مكانته، ولم يضح ليقبض من الناس أجره، ولم يتقدم ليقول الجبناء عنه: متهور!! أو ليقول الشجعان عنه: جرىء! كلا .. كلا .. ثم ما هذا المستقبل الذى يزعم السفهاء أنه ضاع على الطلاب المقتولين في معركة الشرف! إن هؤلاء القتلى أحرزوا مستقبل الحياة كلها، أحرزوا الخلود أبد الآبدين في جوار أكرم الأكرمين. لقد كسبوا كل شىء يحرص الراشدون على اكتسابه، في حين ضاع على أغيارهم من القاعدين كل شىء، فهم في ساحة الحياة الدنيا يتراكضون خلف سراب يعجز طالبه عن إدراكه، ولو أدركه ما امتلأت يداه منه إلا فقرا! هب الشهداء ظلوا أحياء في معاهدهم، ونالوا الدرجات العلمية التى يصبون إليها، وتسلموا في الدولة والمجتمع أعلى المناصب، ثم ماذا بعد؟ ماذا بعد طول المكث في الأرض؟ وجمع الحطام من أسواقها الحاشدة.؟ ماذا إلا التأخر عن مواطن الكرامة التى تعجل للشهداء؟ والتعرض لمتاعب العيش التى تفرض على الأحياء. (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون * ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون) . وَلَوَ انَّ الحياةَ تبقى لحىٍّ لعددنا أضلَّنا الشجعانَا؟ وإذا لم يكن من الموت بدٌّ فمن العجز أن تكون جبانَا ص _064