فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 251

هذا لاشك خير من الفاقة والضياع، خير من الإهمال القاتل الذى تعرض له القتلى والجرحى في محنة فلسطين، إنني- كغيرى- أعرف الحقيقة المرة. أعرف أن فاروقا وثلة من رجاله استغلوا هذه الحرب أسوأ استغلال، وأنهم جمعوا من ورائها القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وأنهم هزئوا بفضائل الأمة ووجودها، وتضحيات الشباب وتفانيهم! وفى غمرة العاطفة الفائرة لنصرة الحق وإغاثة المظلوم، راحت هذه الخنازير القذرة تتاجر بالأشلاء والدماء، وتسرق المال بألف أسلوب، تنفقه على القمار والنساء، أو لتدخره دعامة لطغيانها، وجبروتها في أنحاء البلاد. فلما عاد الجيش كسير القلب والجناح، وجد الملك المجرم يلف نفسه بالخونة والسرقة، ويتجهم للأشراف والأبطال، ويذهل عن الشهداء والمنكوبين. فطوى الجيش- على غل- أحزانه، وتذكر بحسرة مضاعفة خسائره في الرجال والأموال، حتى واتته فرصة الانتقام آخر الأمر، فركل الملك الخليع، وأرهن السجون أعوانه الخونة ثم بدأ- في سورة الغضب على ما كان- يستعرض أحداث فلسطين ويداوى ما عراه من جراحاتها، وهو معذور إذا ذهب به الغضب كل مذهب. لكننا نرفض أن ينتهز بعض الناس هذه الغضبة ليصوروا مأساة فلسطين تصويرا خاطئا، وليلقوا في الأوهام أننا دخلنا في حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، لم نستفد منها إلا الخيانات والمتاعب، ثم يخلط هؤلاء المبطلون كلامهم الزور بدموع يذرفونها على الشهداء، وأحزان يظهرونها على المنكوبين. وبهذه السياسة الملتوية، والمشاعر المفتعلة يكلف المسلمون في مصر أن ينسوا إخوانهم في فلسطين، وأن يتركوا الأرض المقدسة لليهود، وحسب الشهداء والجرحى والمشوهين أن تجمع لهم دريهمات يطعمون منها. وأخف ما نشر في هذا ما كتبته جريدة المصرى لمناسبة أسبوع المشوهين: وأدرك المشوهون أنهم لم يدفعوا أشلاءهم ثمنا لمصر، و إلا لكرمتهم مصر، أدركوا أنهم ص _060

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت