ولو كان جسما واحدا يسرى فيه تيار الألم لما يصيب بعضه، لما ارتفعت العقائر بصراخ الألم فحسب، بل لتحركت الأيدى تثأر من أعناق الإنجليز في كل بلد. وأنا- شخصيا- جازع للطريقة التى تمت بها مأساة"كفر عبده"، وليس جزعى من هدمها، فتكاليف الجهاد قد تتطلب دك العواصم الكبرى، لا القرى الصغيرة. وإنما كنت أود أن تستميت كتائب التحرير في الدفاع عنها حتى يختلط دماؤهم جميعا بأنقاضها المهدومة وأثاثها المبعثر. وفى كل حرب تدور تعرف أن هناك فرقا قد تشتبك فى- قتال المؤخرة- أى أنه قد توضع خطة لسحب الجيش من ميدان إلى آخر، فيشغل العدو بنفر من الجنود ليس لهم إلا أن يستميتوا في تعويقه ولو فقدوا حياتهم لإنقاذ كتلة الجيش الكبرى. ليس الأمر موقوفا على حساب الأرباح والخسائر في معركة صغيرة بل الأمر يتعلق بأهدافنا العليا، والذين يوكل إليهم أمر الدفاع عن- كفر عبده- سيستشهدون جميعا، بيد أن تضحياتهم ستكون ضياء النصر لكل أمة صممت على الكفاح الطويل. على أن القتال بيننا وبين الإنجليز، لن ينتهى ما داموا في بلد مسلم، وما فاتنا من ضروب البسالة الواجبة في الماضى، فلن يفوتنا في المستقبل إن شاء الله. * * * ونريد أن ننبه إلى أن الاستكانة وراء الحدود التى رسمها الاستعمار لتمزيق الإسلام، وأذكى من أجلها النزعات القومية الضيقة، هذه الاستكانة خطر بالغ على المسلمين كأمة كبرى، أو أمة ممزعة موزعة تحت ألوان شتى من الحكومات. وليس أسهل على أوروبا من افتراسنا قطرا قطرا، حتى إذا جاء دورنا وأعمل الوحش فينا أظفاره وأسنانه صحنا نادمين: ألا إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض! ولات ساعة مندم. على المسلمين من كل جنس، ومن كل لغة، أن يعلنوا على الاستعمار الحرب، وأن يناوشوا بكل ما يقع في أيديهم من أسلحة. وليضعوا نصب أعينهم أنهم قاتلوا مرتين في حربين عالميتين، إلى جانب حلفاء مخادعين من هؤلاء الإنجليز والفرنسيين، فلم يظفروا من قتالهم إلا بالغدر والخزى، وعادوا إلى أوطانهم المغلوبة صفر الأيدى من أى خير. على المسلمين أن يختاروا بين أمرين لا ثالث لهما: إما الصحو، وإما الموت .. ص _046