ربما كان الرجل خالى البال لا يتبع أهلا ولا مالا، فهو يهز كتفيه لما تفد به الليالى من أحداث، أفإذا بلى بأثقال الفضائل، لقى بها في عرض الطريق، وأضحى لا يهدأ أو لا يهيج إلا لمنافعه الخاصة؟ كذلك فعل المنافقون قديما! فعندما ندبوا للجهاد قعدوا واعتذروا: سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا كان الله بما تعملون خبيرا * بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا إنهم توهموا الخروج مغامرة مخوفة العاقبة، أو مقامرة بعيدة الربح، فنكصوا، وأفئدتهم صفر من معاني اليقين والتضحية التى تجعل الشهيد يقبل على الموت، ويود لو يرد إلى الحياة ليموت مرة أخرى. ولو كان الخروج لنفعٍ يسير لكان لهم مع القافلة سواد كثيف. (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل) . وقد حذر الله المؤمنين أن تسيطر على أفكارهم هذه المآرب، أو تتدخل في نياتهم هذه المنافع. (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) . فلتكن لنا من حياة المجاهدين عظة، ومن مماتهم عبرة، ومن مسلكهم مع أهليهم وأموالهم أسوة حسنة. ص _043