حتى تحس إيحاء دافقا يتغلغل فيك ويخلعك عن حاضرك وماضيك، ويسيرك مع القافلة الهاتفة لله العاملة لله. وكما توصل نور الكهرباء إلى بيتك فيندفع التيار إلى أسلاك لم يمر بها قبلا، كذلك يطويك شعور من الإيمان والإخلاص والثقة عندما تتصل بهؤلاء القادة وتسير معهم إلى الله. إن الجندية للإسلام ليست احترافا ولا ارتزاقا، ولكنها تطوع وافتداء، أساسها العلاقة الموطدة بعالم الغيب والشهادة. ورجال الإسلام هم الذين يفلحون في إقامة هذه العلاقة وصيانتها. كنت طالبا بمعهد"الإسكندرية"عندما اتصلت بحسن البنا، كان ذلك من عشرين عاما تقريبا، بيد أن الأمسية الرفافة العذبة التى وصلتنى به لا تزال محفورة في ذاكرتى ولست أنسى طريقة هذا الرجل في صقل الأرواح ووصلها بينابيع الحياة والحركة من كتاب الله وسنة رسوله. . والتربية الروحية فن دقيق. إن النار على مسافة محدودة تدفئ، وعلى مسافة أقل تحرق. وكذلك تحديث الناس عن الدنيا والآخرة. . إن هذا الحديث قد يخلق الفدائيين، وقد يخلق الانطوائيين المتواكلين. وأشهد أن حسن البنا عرف كيف ينقل الإسلام إلى قلوب واعية فإذا هى تتحدى الحتوف في ميادين البطولة، وتكسب الحياة في ميادين العمل الدنيا. إن خدمة الإنسان لا تصح خبط عشواء. وإنما تصح كما رسم القرآن: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) . والفتيان الأخيار الذين شرفوا الإسلام في هذا العصر هم ثمار ناضجة لهذه التربية الروحية الموفقة. فروسيتهم بالنهار وليدة رهبانيتهم بالليل. ونجاح خطاهم في الحياة أثر صلتهم الموثقة بالله. ترى هل تعود الليالى المباركات التى كنا نصفى فيها قلوبنا، ثم نصف أقدامنا ونصلى لله؟ ليتها تعود؟ ومن أيام كنت أتصفح مختارات من الشعر ردت على ذكريات الماضى البعيد. ذكريات الكتائب التى جمعتنا على التهجد، وبنتنا على بيات الخير. . ص _207