ونشوة، واستفادة واستجادة- فذلك كله دجل صغير، ومسلك ناب سقيم، وجرم يستحق مقترفوه التأديب. فضلا عن أن تصايح هؤلاء المعجبين لا دلالة فيه على فقه ولا يقين. فلو كلفوا بجهاد في سبيل الله، أو بذل لإعزاز هذا القرآن، أو تضحية لإنقاذ أحكامه، لخرست الألسنة الصياحة، وانقطت الجموع الملتاعة. إنى أكره من أعماق قلبى اختلاط الطاعة بالمعصية، وتنفيس الإنسان عن شهواته باسم أنه يعبد الله. ماذا على من يعجبهم التلحين والتطريب أن يستمعوا لذلك في قصيدة غزل، وأن يبتعدوا به عن كتاب الله؟؟. وإذا كان الناس يحبون أن يزينوا القرآن بأصواتهم، فما غناء هذه الزينة في عصر عطلت فيه أحكام القرآن. وأصبحنا نجد أمما لا تسقط من القرآن حرفا وقد أسقطت العمل به كله؟؟ إن آيات الإنذار تنطق أحسب أنها غارات ورجوم تنزل على الأهواء والوساوس فتحطمها. فإذا أنا أسمع صوتا خفتا ينبعث بالاستحسان الطائش ويطلب الإعادة في ابتسام يكاد يتحول ضحكا. فأذكر قول الرحمن في وصف عباده: (والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا) . بيد أن هؤلاء عموا وصموا .. إنهم لا يعقلون حرفا مما يسمعون! يا أمة القرآن. ما هكذا يعبث بكتاب الله: إن هذا الموقف المستغرب من كتاب الله يرجع إلى العلة التى شرحناها صدر هذا الكلام، علة التعلق بالظاهر التى لا تجشم مشقة، ولا تزعج كسولا. ولا تعجم عودا، ولا تدل على شىء طائل. وقديما حسب الجاهليون من سدنة الكعبة أن خدمتهم لبيت الله وبذلهم المعروف لوفود الحجيج يرجح مكانتهم على أتباع محمد ويجعلهم أمام الناس موضع تكريم ص _181