والتفكير المطلوب، هو تفكير الدارس الممحص الذى يقلب ما أمامه على وجوهه الممكنة ليكتشف الحق من الباطل، وليميز الخبيث من الطيب، ومن ثم استنكر القرآن على جمهور المشركين أن يجنحوا إلى الخرافات في تدينهم، وأن يبتعدوا عن مناهج المعرفة الصحيحة. (قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين) . ومرحلة التفكير هذه تعتمد على التأمل طال أو قصر، وعلى افتراض الصدق والكذب، ولما كانت النفس خالية- قبلا- من الحكم على ما ترى، فإن تشككها فيه حتى تستبينه أمر طبيعى. والأصول التى قامت عليها الدعاية للإسلام لم تتجاهل هذا الواقع بل توقعته ولذلك قامت على هذه الآية المحكمة: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) . وختام هذه الآية يشير إلى أن الله وحده هو العليم بأهل الهدى وأهل الضلال فهو توكيد لإحسان الدعوة، وإحسان الجدال عنها والجدال مع خصومها، إذ إن تحويل الناس عما ورثوا أو ألفوا يحتاج إلى قدر كبير من الحكمة والخبرة بطبائع النفوس. وليس معنى خطأ الإنسان في رأى، أو اختلاط الأمور عليه أنه شخص فاسد يستحق المطاردة والتحامل والعنف أول ما يستحق!. وقد قرر الإسلام مبدأ الحرية العقلية لتكون لكل امرئ الخيرة فيما يأخذ ويدع، الإيمان الذى يولد في هذا الجو يولد سليما كريما لا غبار عليه ولا حرج فيه. ودعوة القرآن إلى التفكير والنظر كما شرعت لتكون أساس اليقين، فهى كذلك مشروعة لتكون سياج اليقين وسر بقائه على تطاول الأيام.