ولو أن الذين فشلوا في إقناع الرأى العام باحترامهم، وإعطاء زمامه لهم، صابروا الأيام، وعادوا الكرة ونزلوا على حكم الأمة أولا، لنزلت الأمة عند رغبتهم أخيرا، ولملكتهم أمرها عن إجلال وإعزاز. ولكن النفر الذين انصرفت عنهم الأمم في انتخابات حرة قرروا أن يغتصبوا مشيئتها، وأن يشقوا كلمتها، وجاء وزير فألغى الدستور القائم واستبدل به دستورا شائها، ومجلسا مزيفا منذ ريع قرن، وتألفت من قبل ومن بعد أحزاب تبنى وصولها إلى الحكم على تزوير الانتخابات، وتحقير الأمة أمام نفسها، وأمام العالم أجمع .. وهى لا تعرف الدستور القائم إلا قصاصة ورق، وقد جربناها في الحكم، وبلونا أعمال رجالها فما زادتهم الأيام في أعيننا إلا ضعة: (وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين) . إن المهم في الدساتير، وفى توزيع السلطات وتحديدها، وفى إحكام الشورى وضبط موازينها، هو منع الحاكم من أن يستبد برأيه، أو يقيم من نفسه جبارا على الناس، يقرب من يقترب منه، ويبعد من يبتعد عنه، بل يروعه في نفسه وأهله. وأغلب الجبابرة يسمون أنفسهم مصلحين! ويزيفون! إرادة الشعب ثم يزعمون أنهم برغبته يحكمون ولصالحه يخدمون!! إن الشورى مبدأ فوق المجالات. وإذا لم تكفلها المواد الصريحة والتطبيقات الصحيحة، فليست هناك شورى ولا دساتير، وإن زعم الزاعمون. واليوم تستيقظ هذه الأحزاب من خمول، وتتنادى بضرورة انتخابات جديدة لأن الأحزاب التى حرمت لذة الحكم- يسيل لعابها إليه شوقا- والانتخاب الذى يريدون، وبه وحده يعترفون، هو الذى يجىء بالنتيجة التى يرغبون: أى يجىء بهم وبأنصارهم إلى الحكم. ص _138