ومع ما يشوب الأحوال هنالك من غموض وريبة، فإن حظ هذا القطر الشقيق أفضل من أقطار إسلامية أخرى لم يعرف لها بعد دستور، ولم تجر فيها إلى اليوم انتخابات. وليس على المسلمين حرج في أن ينقلوا من أنظمة الحياة عند غيرهم ما يتلاءم مع المبادئ التى تمهدت في دينهم، والشورى عندنا حقيقة مجملة، فإذا وجدنا من الأساليب ما يضبط اتجاهاتها، ويدنى ثمراتها، فلنحرص عليه سواء أكان من نتائج أفكارنا، أم كان من أفكار الآخرين. فالحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث تقع له لا يبالى من أى وعاء خرجت. غير أن هناك ملاحظات لابد من ذكرها حتى لا يكون تقليدنا لغيرنا تقليدا أعمى، فإن الرأى العام في إنجلترا مثلا قد بلغ من النضج العقلى والمرونة النفسية ما يتيح له خوض سلسلة من المعارك الانتخابية، دون أن تصاب عواطف العامة فيه بأذى يذكر، ودون أن تصاب صفوفهم بأدنى تصدع. وتضافر الدولة والأمة على جعل الانتخابات صورة صادقة لآراء الجمهور. بلغ حدا من الكمال يغبط عليه هؤلاء القوم. أما الأمور في الشرق العربي فعلى العكس، إذ توجد لدينا جماهير غفيرة تحتاج إلى جهد مضاعف من التربية والتعليم، حتى تحسن فهم واجبها، وتحسن أداءه على وجهه الصحيح. وهذا العيب ليس خطرا بالغا. ولا داء عياء، وليس هو- لو أنصفنا- مثار الشكوى من الاضطرابات التى تعصف أحيانا بالأوضاع المستقرة. ففى مصر دستور يعد من خيرة دساتير العالم، لو أحسن استغلاله، حصلت عليه الأمة في أعقاب ثورتها من ثلاثين عاما، وكان من الممكن أن يكون هذا الدستور محور حياة آمنة عزيزة- لو خلصت النيات في إبقائه وصيانته. ص _137