المؤلف والمصدر أو إلى أحدهما، ولم يتخلف هذا النهج إلّا في مواضع قليلة، لم يشر فيها إلى مصادره، كما أنه حرص أثناء ترجمته للشعراء على إسناد الأقوال والأخبار والآراء لأصحابها. ومن شدة أمانته أنه يتحرّى الدّقة والضبط في إيراد الأقوال المنسوبة إلى أصحابها، وإذا دخله بعض الشك في حفظه ورواياته للقول فإنه يحتاط بقوله: «ما معناه» و «أو ما كما قال» ، ومن أمثلة ذلك ما حدث في ترجمته لإسحاق الموصلي فقد ذكر في آخرها [1] : «وإيّاه عنى الحريريّ بقوله في المقامة الثامنة عشرة في وصف جارية ما معناه: «وإن غنّت شفت المفؤود وأحيت الموءود، وظلّ معبد عندها عبدا، وقيل سحقا لإسحاق وبعدا، أو كما قال» ، وإذا ما قارنا هذا النص بما جاء في المقامات للحريري فإننا نجده قد تحرّى الأمانة والدّقة بقوله: «أو كما قال» لأن هناك فرقا يسيرا بين ما أورده الحريري وما أورده السلوي. وهذا النهج الذي سار عليه المؤلف يتكرر في الكتاب كثيرا. ولعل هذه الدقة آتية من تأثره بطريقة المحدّثين. فهم عندما يشكّون في كلمة أو عبارة، ولا يدرون هل روي الحديث باللّفظ أم حدث تغيير في بعض ألفاظه يستعلمون هذه العبارة «ما معناه» أو «أو كما قال» للتدليل على عدم تيقّنهم ودفعا لكل ما قد يوجّه لهم من طعن في عدم احترام نص الحديث. ومن المرجح أن السلوي كان يعتمد أحيانا في رواياته للأقوال على ذاكرته وحفظه، ومن ثم كان يحتاط خوفا من أن يكون غيّر لفظة أو عبارة والله أعلم.
لا تتضح قيمة هذا الكتاب إلا إذا عرفنا نوع الثقافة التي كانت سائدة في عهد المؤلف، وهو القرن الثاني عشر للهجرة.
(1) الكوكب الثاقب 250.