يذكر أن غياب المحقق كشخص لا يعني غياب أجهزته، وأن هذه اللقاءات التي يمكن أن تحدث ليست وليدة بالصدفة، بل هي متعمدة ومقصودة لأجل الحصول على مزيد من المعلومات .. ولا يسقط في هذا الشرك ألا المتهورون، الانفعاليون، الذين يفكرون بعاطفتهم .. فعندما يلتقي أخ مع أخيه في أي ظرف من هذه الظروف عليه أن يضبط نفسه وأن يتعامل بشكل طبيعي كأنه يجلس مع غريب، وعلى المجاهد اعتماد الإشارات في مخاطبة زميله وأن يعتمد على إشارات النظر والأفكار خاصة في مجالات العمليات والأسلحة وأن يعتمد أسلوب الحوار الذاتي، أو الحوار مع السماء .. أو الحوار مع المجهول .. أي الأسلوب غير المباشر لنقل أفكاره لأخيه لصياغة تفكيره، وتوجيهه إلى الأفكار وعدم الاعتراف وعدم الحديث .. (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) .
في برودة الشتاء القارصة، وخاصة في ساعات الليل، يستعمل المحققون الماء البارد كأداة تعذيب، إذ عندما يصر المناضل على الإنكار ولا يدلي باعتراف يضعه المحقق تحت الماء البارد لفترة معينة وإذا وجده عنيدًا، صلبًا ثابتًا .. يأمره بخلع ملابسه ويدخله تحت دوش ماء بارد سيال ويتركه تحته لساعات.
إن اختلاف درجة حرارة الجسم الطبيعية الكبير عن درجة حرارة الماء البارد جدًا، يؤدي لحظة وضع المناضل تحت الماء إلى سرعة في دقات القلب، وصعوبة في التنفس، وتجمد في الأطراف وارتجاف الجسد يستغل المحقق هذه الحالة لمساومة المناضل على الاعتراف فإذا ثبت على موقفه، يبدأ المحقق بإحضار الماء المثلج من الثلاجة وبقطع الثلج، فيصبها على الجسم لكي يزيد من حالة الألم، ويترك المناضل يجالد البرودة لساعات طويلة.
وأحيانًا يوقظ المناضل في منتصف الليل، لإزعاجه أكثر، وينقل من دفء الفراش في الزنزانة، ويمارس معه أسلوب التعذيب بالماء البارد، لقسوة أثره في هذه الحالة.
وأحيانًا يتم ترك المجاهد عاريًا في مكان مكشوف في ليالي الشتاء الزمهريرية في البرد الصقيعي وتحت إعصار الرياح اللاهبة كالسياط، مما يؤدي إلى اضطرابات في المعدة، والإصابة بالرشح والزكام ويسبب التقيؤ والإسهال والسعال الشديد وتجمد الأطراف وتصلب الجسد.
إن شدة إيقاع وتأثير الماء البارد والريح الصقيعية على الجسد تكون في أقصاها لحظة انهمار زخات الماء الأولى أو لسع الرياح في البداية، ثم ما يلبث الجسد أن يعتاد إلى حد ما على هذه الحال المؤلمة وقد تعرض عدد من المناضلين لهذه التجربة القاسية ولكنهم خرجوا منها دون أن يعترفوا، لأنها مجرد أسلوب عادي ضمن أساليب التعذيب، والذي يستطيع الصمود في اللحظات الأولى لن تؤثر في معنوياته هذه الطريقة من التعذيب، وبذلك يفشل المحقق مرة ثانية وينتصر المناضل الذي رفض الاعتراف.