الموقف الإنساني يقتضي أن يسعف الجريح، وان يعالج المريض ولكن في أقسام التحقيق، يقتنص المحققون هذه الجوانب، ويعملون على استثمارها في التعذيب لانتزاع الاعتراف، لذلك أول ما يبحث عنه ضابط المخابرات وهو يمارس دوره هو نقاط الضعف في البنية النفسية، ويبحث عن جوانب الضعف في البنية الجسدية .. فإذا وجد جوانب ضعف في البنية النفسية، فهو يضغط عليها بشدة، لكي ينهار المجاهد، وإذا وجد نقاط ضعف في البنية الجسدية، فهو يضغط عليها بقسوة، ويمارس الابتزاز بأقصى صوره فإذا كان الأخ المجاهد قد أجرى عملية جراحية في حياته .. يركز المخابرات الضرب الشديد على مكان العملية، لكي يحدث ألمًا شديدًا للمجاهد .. أما إذا كان مصابًا وجروحه لم تندمل، فهو يبدأ بمسطرة أو قلم، يفتح الجرح من جديد ويضع المسطرة أو القلم في داخل الجرح الغائر لكي يحدث ألمًا لا يطاق ويساوم المجاهد .. بين الألم، والاعتراف، وأحيانًا يقوم برش الملح على الجرح، لكي يشتعل الجرح نارًا، فيضطر تحت وطأة الألم الشديد أن يدلي باعترافه إن الجروح تشكل نقاط ضعف في جسد المجاهد .. ولكنها لا تشكل نقاط انهيار لروحه وإرادته والآلام التي تحدث مع نبش الجرح والضغط عليه، لن تكون أكبر من الخيانة ولقد أسر الشهيد عبد القادر أبو الفحم في معركة عسكرية، وكان الرصاص قد اخترق جميع أنحاء جسمه، وكان القائد الميداني العسكري لكل الجهاز العسكري من بيت حانون حتى شمال سيناء نُقل بطائرة هليوكوبتر .. وأحضر طاقم متخصص ومن خيرة المحققين لكي ينزعوا منه الاعتراف كانوا أقوياء، وكان ضعيفًا .. كانوا جمعًا وكان وحيدًا .. عذبوه بجروحه، وإصابته، ضغطوا عليها نبشوها .. رشوها بالملح .. ولكنه كان أقوى منهم ولم يعترف .. والطبيب في التحقيق، محقق في الزي الأبيض .. إنه يسأل عن موضع الألم .. وعندما يعرفه، يُستغل في التعذيب، وأدويته واحدة، تُصرف لكل الأسرى، ولكافة الأمراض .. وعندما قال طبيب أسير لاخوته اطلبوا لأمراضكم أسماء هذه الأدوية تم إنزاله للزنازين وهُدد بالصمت أو البقاء في الزنازين .. وقد يقوم الطبيب بحقن المجاهد بالأنسولين وهو مادة هرمونية تخفض من نسبة السكر في الدم وتستعمل في علاج بعض المصابين بالأمراض العصبية، ويوهمه بأن هذه الحقنة ستؤدي به إلى الجنون .. وأن عليه أن يحقن أخرى تبطل مفعول هذه الحقنة الأولى، فإذا اعترف سيعطى الحقنة التي تحميه من الجنون ولكن هذه كلها ألاعيب المحققين، وهي لا تنطلي على المناضل الواعي.
عندما يجد المحققون أن مجاهدًا مارسوا معه أساليب كثيرة ولم يعترف، ولم يضعف على مستوى الروح والإرادة فإنهم يضعونه في زنزانة حجمها صغير، لا يستطيع المجاهد أن يقف فيها ولا يتحرك بها إلا بصعوبة لضيق حجمها، وللزنزانة أرضية صُممت خصيصًا كممر مُعد للرصف، فهو مجموعة حجارة أقرب للمسامير بحيث لا يتمكن المجاهد من النوم على هذه الأرضية وهي زنزانة جرداء لا يوجد بها أي فراش، حتى ضوء الشمس لا يدخلها لذلك فنسبة رطوبتها عالية، كما أنها على درجة عالية من القذارة، يتناوب عليها صباحًا ومساء جندي مكلف أن يسكب بها دلوًا من الماء لتصبح بُحيرة، يظهر في وسطها العديد من الجُرز، فلا يستطيع المجاهد النوم، ولا يستطيع الوقوف، ولا يشعر بطعم الراحة، وعليه أن يقضي بها أيامًا وليالي، لكي تنهار أعصابه، ويتعب جسده، ويضطر للاعتراف كما يتم إحضار كلاب ضخمة مدربة يطلقونها على المجاهد في داخل الزنزانة، فتهجم عليه بشراسة تريد الفتك به، وتمزيق ثيابه، وأحيانًا يطلقون عليه أفاعي كبيرة، ولكنها لا تلدغ، ومن حين لآخر يواصلون الطرق الشديد على باب الزنزانة حتى يخرج منها وهو منهك جاهزًا للاعتراف، كما يظنون.