اليقظة .. والسراب الذي يحسبه طريق الإخراج يدخل المحقق ويقول:"أترى كيف أن حكومة إسرائيل عادلة، أنت مسكين، ووقعت ضحية، ولأنك مسكين فإن الله يرى حالتك، وحالة أولادك .. وحالة أمك، وحالة اهلك .. لكن سنفرج عنك غدًا .. وهناك بعض المسائل أنت أخفيتها عنا، وهي الآن لا تضرك بشيء لان قرار إفراجك جاهز، وأرسلناه إلى إدارة السجن حتى يفرجوا عنك صباحًا"، ويظل يراوغ في هذه الدوائر .. فإذا خدع المجاهد بهذه الحيلة فإنه يعترف بأي شيء، يضاف إلى معلومات المخابرات لضرب هذا المجاهد أولًا، ولضرب حركته وقضيته، فإن أصر المجاهد على نفي أي علاقة تنظيمية له وأنه مواطن عادي لا علاقة له (بالمشاكل) .
فان المحقق يتظاهر بالغضب، ويقول بلهجة متوترة نحن نحب أن نساعدك، لكن أنت لا تحب الخير لنفسك، بإمكانك أن تبقى طول عمرك في السجن .. ولن تخرج منه إلا إلى القبر لينفعك أصحابك .. يا بطل!!"ويخرج من الغرفة، وهو مدرك أن أسلوبهم فشل، ولم يحصلوا على أي شيء."
وهو أسلوب ضغط وابتزاز، ومساومة يقوم على الإرهاق العصبي للمجاهد، ودفعه للانهيار ويكون مصحوبًا بحملات ضغط نفسي، وإيحاء مستمر بأن التعذيب أبدي، وأن الاعتراف حتمي.
حاجة الجسم للأكل حاجة عضوية، وعندما يحرم الإنسان أو المجاهد، من الأكل، تحت أسلوب التجويع، فإنه يحس بأن هناك جفافًا في الحلق، وتنبعث رائحة كريهة في الفم، ويصاب بالدوار والدوخة بعد اليوم الثاني، ولا يستطيع النوم، ولا يقدر أن يقف على قدميه خمسة دقائق بشكل مستمر ومتواصل بعد عدة أيام، وينتابه شعور بثقل الرأس، وهبوط في قواه، واصفرار في وجهه، وضمور في بطنه وارتخاء في عضلاته، وشعور بالإرهاق العصبي.
يستغل المحقق أسلوب التجويع كأسلوب غير مباشر، حيث يكلف الجندي الحارس عندما يوزع وجبات الأكل صباحًا وظهرًا ومساءً حرم هذا المجاهد من تناول الطعام لعدة أيام متواصلة، لكي يزيد توتره، وإرهاقه العصبي الأمر الذي يؤثر ميكانيكيًا على نفسيته، لكسر إرادته، وتحطيم صموده، والقضاء على صبره، وتحمله، وتفتيت عضده، وشل تفكيره، ودفعه للاعتراف كمخرج وحيد.
ورغم ما يسببه الحرمان من الأكل من تعب وإرهاق للأعصاب، وآلام للمجاهد، وخاصة عندما توزع وجبات الأكل كل يوم، وتفوح خلالها رائحة الأكل، إلا أن الحقيقة التي يجب ألا يغفل عنها المجاهد، وهي أن المعتقلين، قد خاضوا تجربة الإضرابات عن الطعام لعدة أسابيع، ولم نسمع، أن الإضراب عن الأكل، أو الحرمان من الطعام يؤدي للموت إن الإنسان معجزة، وعنده قدرة هائلة وعظيمة على الصبر، والتحمل، خاصة إذا كان مسلمًا بعقيدة مؤمنا بقضية وهدف تزوده في ساعات المحن بشحنات روحية، يسمو بها فوق التحقيق والحقيقة الثانية، أن المحقق عندما يستخدم أسلوب التجويع، فإنه لا يستخدمه، من أجل قتل المجاهد إنه يستخدمه كأسلوب ضغط، كأسلوب ابتزاز لأجل أن يعترف، ويوحي له أنه سيبقى بدون طعام حتى يموت (فاصبر كما شئت في النهاية ستعترف، واعترافك حتمي .. وأفضل أن تعترف اليوم من أن تعترف غدًا .. ولن يفيدك صمودك .. !) .