ثالثًا
الجهل بأساليب التحقيق وكيفية الرد عليها
تقول الحكمة:"اعرف عدوك، واعرف نفسك، فبذلك تستطيع أن تخوض مائة معركة بأقل الخسائر".
إن معرفة كل مقومات وإمكانيات العدو وطرائقه وخططه ومنهجيته تحقق شرطًا هامًا في إحراز الانتصار في مواجهة المحقق لعل الفكرة الساذجة التي يحملها بعض المناضلين عن مجريات الاعتقال والتحقيق، كثيرًا ما توقعه في مطب استسهال الصمود أثناء التحقيق فالبعض يعتقد أن التحقيق لا يعدو عن كونه لقاءً مع ضابط مخابرات يحمل في يده عصا، سيضربه بها ضربًا مبرحًا وهو يصرخ بصوت عال اعترف اعترف مكيلًا أبشع الشتائم وما على المناضل إلا الصراخ بصوت عال أيضًا أو اللجوء إلى الصمت حتى يتعب المحقق ثم يلقي عصاه ويرفس المناضل بقدمه يائسًا وصارخًا في وجهه خذوه إلى الزنزانة حتى يموت إلا أن التحقيق غيرُ ذلك وليس هناك من يستطيع أن يؤكد أن التحقيق لا يتجاوز سوى جولة وغنيٌ عن القول أن الصهاينة أكثر خبرة من بعض أجهزة القمع العربية، وحتى هذه الأجهزة تخلت عن الأساليب التقليدية المعروفة وأصبحت تستفيد من الخبرة الصهيونية التي تقدم لها عبر القنوات الخلفية لإطالة عمر هذه الأنظمة.
إن التحقيق المتبع في أقبية الاحتلال الصهيوني وقبل كل شيء، هو برنامج له أبعاده النفسية والجسدية القائمة على معارف طبية وسيكولوجية واجتماعية، وما أكثر الأساليب التي يمكن ابتداعها وتطويرها انطلاقًا من معرفة العدو بالبيئة والمجتمع العربيين وخاصة القضايا ذات الحساسية الخاصة لدى العربي مثل الشرف والعرض والدين ومفاهيم الرجولة والصدق ... الخ وسنعرض لاحقًا للبحث في كل هذا.
هناك فكرة أخرى عن التعذيب تضخمه إلى حد يصبح فيه الهاجس نفسه مخيفًا أكثر من الواقع، وكثيرًا ما نسمع من يقول: إن المحقق يعرف كل شيء أولًا وهو شخص غير عادي وان التعذيب هو كهرباء وكي وتحطيم أعضاء وتعليق وأساليب أخرى لا حصر لها هنا ولكن في النهاية يدخل المعتقل الذي يحمل هذا التصور كي يواجه التحقيق وفي داخله استعداد وقابلية مسبقان للانهيار والاعتراف خوفًا.
إن وصايا جاهزة يسمعها المناضل، وينصح بتطبيقها حال تعرضه للاعتقال، قد لا تفي وحدها بغرض الصمود فحين يعاهد المعتقل نفسه على أن يردد العبارات التالية -"لم اسمع لم أر، لا اعرف"فانه يعتقد أنها ستحصنه وتدعم موقفه في التحقيق، ولكن غالبًا ما يحدث أن تسقط هذه العبارات حين ترتطم بواقع وأجواء التحقيق.
ولأن تلك الوصايا نابعة من الفهم الساذج لعملية التحقيق، فإن المناضل سيكتشف أن ضابط المخابرات لا يحمل عصا فقط، بل يستخدم طرقًا علمية وأساليب حديثة فيتزعزع ثباته يقف المناضل ضعيفًا، مقطوعًا، عاريًا أمام ضابط التحقيق حين تكون حالته تلك التي سبق ذكرها ويصبح مدفوعًا برغبة الخلاص، حين تضعه أساليب