فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 81

التحقيق في مناخ نفسي قاس وتخيره بين أمر كبير وأمر صغير فضابط المخابرات الذي يطلب من المعتقل أن يخلع ملابسه يدرك أن التربية والعادات الاجتماعية المختزنة تقيم حاجزًا من الحياء ذي الطابع الديني خاصة، يمنعه من التعري، ولكن إذا توغلنا في التصور أكثر وافترضنا أنه أمام ثبات المناضل ضد هذا الأسلوب، قام المحقق باستدعاء أخته أو زوجته وهدده بالاعتداء عليها، فإن الأمر سيتغير فما أن يرفع المحقق سماعة الهاتف ويقول: إحضر فلانة الآن فإنه يتوقع في نفس الوقت أن تهتز أوتار توازن شخصية المعتقل اهتزازًا عنيفًا، ويجعل ضميره يصرخ داخله شرفك، عرضك، الناس، مجنون ويصل توتره إلى مداه ويصبح عاجزًا عن التفكير أن هذا التوتر العالي يجد له متسعًا للتفريغ عبر بوابة واحدة وهي أن يدلي بأية معلومات، أية معلومات يمكنها أن تلغي إحضار أخته أو زوجته أو ابنته للمعتقل إنه هنا عرضة لصراع مدمر بين الكرامة والشرف الشخصيين، وبين القضية والمبدأ اللذين من أجلهما زج به في المعتقل إنه يسأل: أيهما المقدس والثابت في النفس اكثر؟ أيهما المتغير؟ ... أيهما يمكن التضحية به لحساب الآخر؟ ... وأيهما لا مجال للتفريط به على الإطلاق؟ إن شريط التخيل الذي يعبر ذهنه كمشهد حاضر، منذ رحلة جنود الاحتلال وتوقف السيارات أمام منزله ثم اقتحامهم الباب، وكيف سيأخذون ابنته أو زوجته كيف سيجرونها إلى السيارة وعيون الناس الشاخصة إلى ذلك المنظر واختفاء المرأة بين الجنود وأسئلة أخرى - هل سيترك هؤلاء الجنود شرفه دون أن يمس؟ .. ألن يفهم الناس ما يجري بطريقة مختلفة؟ وماذا ستقول الأخت أو الزوجة؟ ثم ماذا يقول ضميره؟ ... ، شرفك يا مجنون هؤلاء يهود"طز"على كل العالم لا تضح بشرفك هذا الشريط، عندما يدور في ذهن المناضل، وهو يعيش اللحظات العصيبة، وينتظر الساعات المرة، يجعله ينهار، وربما قد يصرخ أريد أن اعترف ... أريد أن اعترف ... قد حصلت حالات مشابهة، وعندما سئل رجل معروف بصلابته، لماذا اعترفت؟ تنهد وقال (عندما عجزوا أن يأخذوا مني اعترافًا هددوني بأنهم سيحضرون بناتي في الليل) وبعد ساعة كان وحيدًا في الزنزانة يصرخ،"أريد أن اعترف أريد أن اعترف".

والحقيقة أن الصهاينة غالبًا ما يتوقفون في هذه الأمور عند حدود التهديد فقط غير أننا لا نستطيع أن نتجاهل إمكانية حدوثها والمناضل الذي يجهل أساليب وطرق التحقيق سيكون عرضة للانهيار وكم من المناضلين الأشداء وقعوا في شرك الاستجواب وانهاروا لجهلهم بأساليب المخابرات.

التحقيق يعتمد في أول خطواته على البحث عن ثغرة في نفسية المناضل كي يدخل منها ويجعلها منطلقًا لمواصلة هجوم المحقق ويلبس المحقق أقنعة مختلفة ويحاول أن يبدو بمظاهر مصطنعة مظهر تمثيلي لكي يدخل إلى عمق هواجس المعتقل وطريقة تفكيره ويبدو كل شيء مدروسًا في حركات المحقق وتصرفاته فالنظرة، والابتسامة، والحركة، والإغراء، والغضب، والضرب، والحماية (من محقق يمثل دور الشرس) ، والصراخ والشفقة، والتهديد، والعدو، والصديق، والعطف، جميعها مظاهر تمثيلية مصطنعة وليس لها جذور في نفس المحقق وإنما يراد من ورائها أن يختبر أي الأشكال يجدي نفعًا مع نموذج المعتقل الواقف أمامه.

إن المعرفة الكاملة بهذه الأساليب وبهذه الأدوار وبهذا الإعداد المسرحي لجو التحقيق، إن توفرت لدى المجاهد المعتقل فإنه لن يشعر بالوجل أو التخاذل وليكن إيمانه بالله وإسلامه وبقضيته ومهمته الجهادية، قويًا بحيث يجعله أكثر صمودًا وأصلب عزيمة في مواجهة الأساليب الخبيثة للمحقق الصهيوني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت