فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 81

الباب الاول

النمط الغريزي في السلوك الإنساني

كانت شركة سوليل بونييه في فترة الانتداب البريطاني تعمل على تشييد مجموعة من المباني الحكومية على مقربة من الساحل الفلسطيني، في غزة، وعسقلان، واللد، والرملة ولم يكن أحد يعرف بالضبط سر هذه البنايات، وسر تصميمها وما بين بنت عصابات شتيرن، والبالماخ، وزفاي لئومي شبكاتها الإرهابية والتجسسية في طول البلاد وعرضها وكان أعضاؤها المنتقون من خيرة أبناء العائلات اليهودية وكانوا يرسلون إلى أوروبا كي يتعلموا احدث أساليب التحقيق والاستجواب، وبذلك نقلوا ثمرة الخبرة الأوروبية ومعين تجربتها الغنية والمتعددة المستويات وما كادت شمس حزيران توشك على المغيب وأصبحت القدس في قبضة المحتل، حتى رفع الستار كاملًا فإذا المباني الحكومية تسفر عن سجون ومعتقلات شديدة التحصين، مكينة الحراسة طالما ضمت أقبيتها أبناء شعبنا الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال منذ عام وأمام عالم صم أذنيه وأغمض عينيه عن حقيقة الفاجعة الفلسطينية، وبعد عام، وانفتاح المشهد على سعته، برز أفراد العصابات الصهيونية الذين تعلموا في أوروبا حرفة الاستجواب، ليتصدروا قيادة جهاز قمع صهيوني، موظفين أحدث الأساليب تقنيةً وأشدها وحشيةً، بينما وقف الفلسطيني وحيدًا أعزل في مواجهة النازية الصهيونية الحديثة ووسائلها المدارة بأيدي ماهرة، ليهود عاشوا أغلب فترات عمرهم في الدول العربية فأجادوا اللغة العربية الفصحى واللهجات المحلية، والأمثال الشعبية، وخاصة المحبطة منها والمتوارثة عن عهود القهر والسقوط، واستخدموها في محاولة كسر نفسية المعتقل وصموده.

لقد كانت هزيمة يونيو حزيران نقطة البداية في تحويل بقايا جيش التحرير الفلسطيني في قطاع غزة إلى فصيل حرب عصابات عرف باسم قوات التحرير الشعبية وتبني حرب التحرير الشعبية طويلة الأمد لمواجهة الكيان الصهيوني كما شهدت الهزيمة بداية تحول حركة القوميين العرب إلى تنظيم عسكري باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في الوقت الذي كانت فيه حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح قد ظهرت قبل ذلك بعامين كحركة تتبنى الكفاح المسلح، وتحولت الأراضي المحتلة من صيف 67 إلى صيف 72 إلى جحيم في وجه الاحتلال، كما عبر عن ذلك موشيه ديان حين وصف المأزق الصهيوني في غزة قائلا: نحن نحتلها في النهار، وهم يسيطرون عليها في الليل ..

وفي مقابل تصاعد العمل العسكري في الأراضي المحتلة، وانتشار الخلايا الثورية، وظهور المطاردين المسلحين في الأحياء والمخيمات والحقول، نشطت أجهزة"الشين بيت"وأجنحة المخابرات الإسرائيلية الأخرى في التصدي لهذه الظاهرة والعمل لأجل القضاء عليها ولقد لجأ العدو الصهيوني لسياسة الاعتقال المكثف، بحيث وصل عدد المعتقلين إلى عشرات الآلاف، استجوبوا وعذبوا في مختلف السجون وكان لهذا الاحتكاك الحاد بين المناضلين الفلسطينيين والمخابرات الصهيونية آثار ونتائج في اختبار كل طرف للآخر، ومعرفة نقاط ضعفه وقوته، وأساليب عمله وطرائقها، ونهج تفكيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت