قوله: {بِغَيْرِ حَقٍّ} ليس قيدا؛ لأن قتل النبيين لا يكون بحق أبداً، وإنما المراد من قوله: {بِغَيْرِ حَقٍّ} بيان أن هؤلاء القاتلين قد بلغوا النهاية في الظلم والفجور والتعدى. لأنهم قد قتلوا أنبياء الله بدون أي مسوغ يوسغ ذلك، وبدون أية شبهة تحملهم على ارتكاب ما ارتكبوا، وإنما فعلوا ما فعلوا لمجرد إرضاء أحقادهم وشهواتهم وأهوائهم.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : وقتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟
قلت. معناه أنهم قتلوهم بغير حق عندهم - ولا عند غيرهم - ، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا في الأرض فيقتلوا. وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم. فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يستحقون به القتل.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : كانوا كافرين بعيسى - عليه السلام - أعداء له، عامدين لقتله، يسمونه الساحر ابن الساحرة، والفاعل ابن الفاعلة، فيكف قالوا: {إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله} ؟
قلت: قالوه على وجه الاستهزاء، كقول فرعون {إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم، رفعا لعيسى عما كانوا يذكرونه به، وتعظيما لما أرادوا بمثله كقوله: {لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً} وقوله - تعالى - {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبِّهَ لَهُمْ} رد على مزاعمهم الكاذبة، وأقاويلهم الباطلة التي تفاخروا بها بأنهم قتلوا عيسى - عليهم السلام - . أي: إن ما قاله اليهود متفاخرين به، وهو زعمهم أنه قتلوا عيسى - عليه السلام - ، هو من باب أكاذيبهم المعروفة عنهم؛ فإنهم ما قتلوه، وما صلبوه ولكن الحق أنهم قتلوا رجلا آخر يشبه عيسى - عليه السلام - في الخلقة فظنوه إياه وقتلوه وصلبوه، ثم قالوا. إنا قتلنا المسيح ابن مريم رسول الله.
قال الفخر الرازي: قوله: {شُبِّهَ} مسند إلى ماذا؟
إن جعلته مسنداً إلى المسيح فهو مشبه به وليس بمشبه. وإن أسندته إلى المقتول لم يجر له ذكر؟
والجواب من وجهين:
الأول: أنه مسند إلى الجار والمجرور.
وهو كقولك: خيل إليه. كأنه قيل: ولكن قوع لهم الشبه. الثاني: أن يسند إلى ضمير المقتول، لأن قوله {وَمَا قَتَلُوهُ} يدل على أنه وقع القتل على غيره فصار ذلك الغير مذكورا بهذا الطريق فحسن إسناد {شُبِّهَ} إليه.