قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين. والراضى بالكفر كافر
«فإن قلت» : فهلا كان المسلمون بمكة - حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين - منافقين؟
قلت: لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم. وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ترك الإِنكار لرضاهم.
وقال القرطبي: فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يتجنبهم فقد رضى فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله - تعالى - {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} . فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء. وينبغى أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغى أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية.
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم. فحمل عليه الأدب وقرأ عليه هذه الآية {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} أي أن الرضا بالمعصية معصية. ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضى بعقوبة العاصى حتى يهكلوا جميعا. وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة.
(وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا(142)
قال صاحب الكشاف: قوله {وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً} أي: ولا يصلون إلا قليلا، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به. وما يجاهرون به قليل أيضا، لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس في قلوبهم لم تكلفوه. أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا في الندرة، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإِسلام لو صحبته الأيام والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حيث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه...
فإن قلت ما معنى المراءاة وهي مفالعة من الرؤية؟
قلت: فيها وجهان:
أحدهما: أن المرائى يريهم عمله وهم يرونه استحسانه.
والثاني: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل. فيقال: راءى الناس. يعني رآهم كقولك نعمه وناعمه... روى أبو زيد: رأت المرأة المرآة الرجل: إذا أمسكها لترى وجهه.
(فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ...(155)