وقال قوم من النحويين: (كان) و (فعَلَ) من اللَّه بمنزلة ما في الحال، فالمعنى - والله أعلم - والله عفو غفور.
والذي قاله الحسن وغيره أدخل في اللغة، وأشبه بكلام العرب.
وأما القول الثالث فمعناه يُؤول إِلى ما قاله الحسن وسيبويه، إِلا أن يكون الماضي بمعنى الحال يقِل.
وصاحب هذا القول له من الحجة قولنا"غفر الله لفُلَانٍ"
بمعنى ليغفر اللَّه له فلما كان في الحال دليل على الاستقبال وقع الماضي
مَؤدياً عنها استخفافاً، لأن اختلاف ألفاظ الأفعال إِنما وقع لاختلاف الأوقات، فإِذا أُعْلِمت الأحوال والأوقات استُغني بلفظ بعض الأفعال عن لفظ بعض.
الدليل على ذلك قوله جلَّ وعزَّ: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمثَالِهَا)
وقوله: (وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإنَهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَاباً)
معناه من يَتُبْ ومن يجيء بالحسنة يعط عشْر أمثالها.
(وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ...(104)
قال بعض أهل التفسير: معنى (ترجون) ههنا تَخَافون.
وأجمَعَ أهل اللغة الموثوق بعلمهم: أن الرجاءَ ههنا على معنى الأمل لا على تصريح الخوف.
وقال بعضهم: الرجاء لا يكون بمعنى الخوف إِلا مع الجحدِ.
قال الشاعر.
لا تُرْتَجى حِينَ تُلاقي الذَّائِدا ... أَسَبْعةً لاقَتْ مَعاً أَمْ واحِداً
معناه لا تخاف.
وكذلك قوله عزَّ وجلَّ: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا(13) .
أي لا تخافون للَّه عظمة ولا عظَةً.
وإِنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف لأن الرجاءَ أمل قد يخاف ألَّا يَتِمَّ.
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا(116)