والتعبيرُ عن ذلك بنفيِ الظلمِ معَ أنَّ تعذيبَهم بغيرِ ذنبٍ ليس بظلم مَا تقررَ منْ قاعدةِ أهلِ السنَّةِ فضلاً عن كونِه ظُلماً بالغاً لبيانِ كمالِ نزاهتِه تعالَى عنْ ذلكَ بتصويرِه بصورةِ ما يستحيلُ صدورُه عنْهُ سبحانه من الظلم كما يعبّر عن ترك الإثابةِ على الأعمال بإضاعتها مع أن الأعمالَ غيرُ موجبةٍ للثواب حتى يلزَم من تخلفه عنها صياغها، وصيغة المبالغةِ لتأكيدِ هَذا المَعْنى بإبرازِ ما ذُكر من التعذيبِ بغيرِ ذنبٍ في صورة المبالغةِ في الظلمِ وقيلَ هيَ لرعايةِ جمعيةِ العبيدِ من قولِهم فلانٌ ظالمٌ لعبدهِ وظلاَّم لعبيدِه عَلى أنها للمبالغة كماً لا كيفاً.
{لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) }
وتقديمُ الأموالِ لكثرة وقوعِ الهلكةِ فيها.
(وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ)
أي من قبل إيتائِكم القرآنَ وهم اليهودُ والنصارى عبّر عنهم بذلك للإشعار بمدار الشقاقِ والإيذان بأن بعضَ ما يسمعونه منهم مستنِدٌ على زعمهم إلى الكتاب كما في قوله تعالى {إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا} الخ.
والتصريحُ بالقَبْلية لتأكيد الإشعارِ وتقويةِ المدارِ فإن قِدَمَ نزولِ كتابِهم مما يؤيد تمسّكَهم به.
{فَإِنَّ ذلك} إشارةٌ إلى الصبر والتقوى وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجتِهما وبُعدِ منزلتِهما وتوحيدُ حرفِ الخطابِ إما باعتبار كلِّ واحدٍ من المُخاطبينَ وإما لأن المرادَ بالخطاب مجرد التنبيه من غير ملاحظةِ خصوصيةِ أحوالِ المخاطبين.