(رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يتلو عَلَيْهِمْ آياتك وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَيُزَكّيهِمْ) لتبادر إلى الفهم عدُّ الجميعِ نعمةً واحدةً وهو السرُّ في التعبير عن القرآن بالآياتِ تارة وبالكتاب والحكمة أخرى رمزاً إلى أنَّه باعتبارِ كلِّ عنوانٍ نعمةٌ عَلى حدة ولا يقدحُ في ذلك شمولُ الحكمةِ لِمَا في مطاوي الأحاديثِ الكريمةِ من الشرائع كما سلف في سورة البقرة.
{وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) }
{وَلاَ يَحْزُنكَ} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتشريفه بتخصيصه بالتسلية والإيذانِ بأصالته في تدبير أمورِ الدين والاهتمام بشئونه.
{الذين يسارعون في الكفر} أي يقعون فيه سريعاً لغاية حرصِهم عليه وشدةِ رَغبتِهم فيه.
وإيثارُ كلمةِ (فِي) على ما وقع في قولِه تعالى (وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ) الآية. للإشعار باستقرارهم في الكفر ودوام ملابستهم له في مبدأ المسارعة ومنتهاها كما في قوله تعالى (أُوْلَئِكَ يسارعون فِى الخيرات) فإن ذلك مؤذِنٌ بملابستهم للخيرات وتقلّبِهم في فنونها في طرفي المسارعةِ وتضاعيفِها.
وأما إيثار كلمة (إلى) في قوله تعالى (وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ) الخ. فلأن المغفرةَ والجنةَ منتهى المسارعةِ وغايتُها.
{إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله}
تعليلٌ للنهي وتكميلٌ للتسلية بتحقيق نفيِ ضررِهم أبداً أي لن يضروا بذلك أولياءَ الله ألبتةَ وتعليقُ نفي الضررِ به تعالى لتشريفهم والإيذانِ بأن مُضارَّتَهم بمنزلة مضارَّتِه سبحانه وفيه مزيدُ مبالغةٍ في التسلية.