وقوله تعالى {وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين}
تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه فإن تنكيرَ الظلم وتوجيهَ النفي إلى إرادته بصيغة المضارعِ دون نفسِه، وتعليقَ الحكمِ بآحاد الجمع المعرف والالتفاتُ إلى الاسم الجليل إشعارا بعلة الحكم بيان لكمال نزاهتة عز وجل عن الظلم بما لا مزيدَ عليهِ أي ما يريد فرداً من أفراد الظلم لفرد من أفراد العالمين في وقتٍ من الأوقاتِ فضلاً عن أن يظلِمَهم فإن المضارعَ كما يفيد الاستمرارَ في الإثبات يفيده في النَّفي بحسبِ المقامِ كما أن الجملةَ الاسمية تدل بمعونة المقام على دوام الثبوتِ وعند دخولِ حرفِ النفي تدل على دوام الانتفاءِ لا على انتفاء الدوامِ وفي سبك الجملةِ نوعُ إيماءٍ إلى التعريض بأن الكفرَةَ هم الظالمون ظلُموا أنفسَهم بتعريضِها للعذابِ الخالد كما في قوله تعالى {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئًا ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} .
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) }
(كنتم) من كان الناقصةِ التي تدل على تحقق شيء بصفة في الزمان الماضي من غير دلالة على عدم سابقٍ أو لاحق كما في قوله تعالى {وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً} وقيل كنتم كذلك في علم الله أو في اللَّوحِ أو فيما بين الأمم السالفةِ وقيل معناه أنتم خيرُ أمة.