فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ لِمَ نَقَصَ مِنَ اسْمِي حَرْفٌ؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ذَلِكَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.
فَقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ الْحَرْفَ زِيدَ فِي اسْمِ ابْنٍ لَهَا مِنْ أفضل الأنبياء اسمه حيي وَسُمِّيَ بِيَحْيَى. ذَكَرَهُ النَّقَّاشُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: سُمِّيَ بِيَحْيَى لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَاهُ بِالْإِيمَانِ وَالنُّبُوَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَا بِهِ النَّاسَ بِالْهُدَى.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: اشْتُقَّ اسْمُهُ مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى حَيٍّ فَسُمِّيَ يَحْيَى.
وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أَحْيَا بِهِ رَحِمَ أُمِّهِ.
(وَحَصُوراً) أَصْلُهُ مِنَ الْحَصْرِ وَهُوَ الْحَبْسُ.
حَصَرَنِي الشَّيْءُ وَأَحْصَرَنِي إِذَا حَبَسَنِي.
وَالْحَصُورُ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ كَأَنَّهُ مُحْجِمٌ عَنْهُنَّ.
وَفِي التَّنْزِيلِ (وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً) أَيْ مَحْبِسًا.
فَيَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَصُورٌ، فَعُولٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٌ لَا يَأْتِي النِّسَاءَ، كَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِمَّا يَكُونُ فِي الرِّجَالِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ.
وَفَعُولٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٌ كَثِيرٌ فِي اللُّغَةِ، مِنْ ذَلِكَ حَلُوبٌ بِمَعْنَى مَحْلُوبَةٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
فِيهَا اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً ... سُودًا كَخَافِيَةِ الْغُرَابِ الْأَسْحَمِ
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَيْضًا وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَعَطَاءٌ وَأَبُو الشَّعْثَاءِ والحسن والسدي وَابْنُ زَيْدٍ: هُوَ الَّذِي يَكُفُّ عَنِ النِّسَاءِ وَلَا يَقْرَبُهُنَّ مَعَ الْقُدْرَةِ.
وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ لوجهين:
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَدْحٌ وَثَنَاءٌ عَلَيْهِ، وَالثَّنَاءُ إِنَّمَا يَكُونُ عَنِ الْفِعْلِ الْمُكْتَسَبِ دُونَ الْجِبِلَّةِ فِي الْغَالِبِ.
الثَّانِي أَنَّ فَعُولًا فِي اللُّغَةِ مِنْ صِيَغِ الْفَاعِلِينَ، كَمَا قَالَ:
ضَرُوبٌ بِنَصْلِ السَّيْفِ سُوقَ سِمَانِهَا ... إِذَا عَدِمُوا زَادًا فَإِنَّكَ عَاقِرُ
فَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَحْصُرُ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ.
وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ شَرْعَهُ، فَأَمَّا شَرْعُنَا فَالنِّكَاحُ، كَمَا تَقَدَّمَ.