وإنَّما قال فِي هذا الموضعِ: {قُلْ ياأَهْلَ الْكِتَابِ} ، وقال من قَبْلُ: {ياأَهْلَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 65] [[لأنهُ] ] تعالى خاطَبهم أوَّلاً على جهة التَّلَطُّفِ في استدعائِهم إلى الإيْمَانِ، ثم أعرضَ عن خطابهم إذْلاَلاً وإهَانَةً لَهُمْ، وأمرَ غيرهُ بمخاطبَتِهم.
(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(104)
وإنَّما قال: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ} ولم يقُلْ: وليَكُن مِنْكُمْ جَمِيْعُكُمْ؛ لأنَّ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عنِ المنكر فَرْضٌ على الْكِفَايَةِ، إذا قَامَ به البعضُ سَقَطَ عن الباقين، ويجوزُ أن يكون المرادُ بالأُمَّةِ العلماءَ في هذه الآية الذين يُحْسِنُونَ ما يَدْعُونَ إليه.
وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ المعنى: ولتكونوا كُلُّكُمْ، لكنْ (مِنْ) هُنا دخلت للتوكيدِ، وتخصيصِ المخاطَبين من سائرِ الأجناسِ كما في قولهِ تعالى: {فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} [الحج: 30] أي فاجتنبوا الأوثانَ فإنَّها رجسٌ؛ لا أنَّ المرادَ: فاجتنبوا بَعْضَ الأوثانِ دون بعضٍ، واللامُ في {وَلْتَكُن} لامُ الأمرِ.
(يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ(113)
أي وهُمْ يُصَلُّونَ؛ لأنَّ القرآنَ لا يكونُ في السجودِ، نظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206] أي يُصَلُّونَ، وقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ} [الفرقان: 60] أي صَلُّواْ.
وإنَّما ذُكرت الصلواتُ باسمِ السجودِ، لأن السجودَ نِهايةُ ما فيها من التواضُعِ.
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(129)