واختلفَ المفسرون في معنى التَّوَفِّي في هذه الآيةِ؛ فقال الحسنُ والكلبي والضحَّاك وابن جُريج: (مَعْنَاهُ: إنِّي قَابِضُكَ وَرَافِعُكَ مِنَ الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ) . فعلى هذا القولِ لِلتَّوَفِّي ثلاثُ تأويلاتٍ: أحدُها: إنِّي رافعُكَ إلَيَّ وَافِياً لَنْ ينالوُا منكَ شيئاً؛ من قولِهم: تَوَفَّيْتُ كَذا وَاسْتَوْفَيْتُهُ؛ إذا أخدتُه تامّاً، والأخذُ معناهُ: إنِّي مُسَلِّمُكَ؛ مِن قولِهم: تَوَفَّيْتُ كَذا إذا سَلَّمْتَهُ. وقال الحسنُ: (مَعْنَاهُ: إنِّي مُنَيِّمُكَ وَرَافِعُكَ إلَيَّ مِنْ نَوْمِكَ) . يدلُّ عليهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِالليلِ} [الأنعام: 60] أي يُنِيْمُكُمْ؛ لأن النومَ أخُو الموتِ.
ورويَ عن ابن عبَّاس أنَّ معنى الآيةِ: (إنِّي مُمِيتُكَ) يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة: 11] ولهُ على هذا القولِ تأويلانِ:
أحدُها: قال وَهَبُ بن مُنَبهٍ: (تَوَفَّاهُ اللهُ ثَلاَثَ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَار ثُمَّ أحْيَاهُ وَرَفَعَهُ إلَيْهِ) .
والآخَرُ: قال الضحَّاك: (إنَّ فِي الْكَلاَمِ تَقْدِيْماً وَتَأْخِيْراً؛ مَعْنَاهُ: إنِّي رَافِعُكَ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِيْنَ كَفَرُواْ؛ وَمُتَوَفِّيْكَ بَعْدَ إنْزَالِكَ مِنَ السَّمَاءِ)
قال الشاعرُ:
ألاَ يَا نَخْلَةً مِنْ ذاتِ عِرْقٍ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ السَّلاَمُ
أي عليكِ السلامُ ورحمةُ اللهِ.