ومن لطائف ونكات تفسير ابن الجوزي:
سورة آل عمران
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ...(7)
«فَإِنْ قِيلَ» : فما فائدة إنزال المتشابه، والمراد بالقرآن البيان والهدى؟
فعنه أربعة أجوبة:
أحدها: أنه لما كان كلام العرب على ضربين:
أحدهما: الموجز الذي لا يخفى على سامعه، ولا يحتمل غير ظاهره.
والثاني: المجاز، والكنايات، والإشارات، والتلويحات، وهذا الضرب الثاني هو المستحلى عند العرب، والبديع في كلامهم، أنزل الله تعالى القرآن على هذين الضربين، ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله، فكأنه قال: عارضوه بأي الضربين شئتم، ولو نزل كله محكماً واضحاً، لقالوا: هلا نزل بالضرب المستحسن عندنا؟
ومتى وقع الكلام إشارة أو كناية، أو تعريض أو تشبيه، كان أفصح وأغرب.
قال امرؤ القيس:
ما ذرفت عيناك إلّا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتَّل
فجعل النظر بمنزلة السهم على جهة التشبيه، فحلا هذا عند كل سامع ومنشد، وزاد في بلاغته، وقال امرؤ القيس أيضاً:
رَمَتْني بَسَهْمٍ أَصَابَ الفُؤَادَ ... غَدَاةَ الرَّحِيلِ فَلَمْ أنتصر
وقال أيضاً:
فقلت له لما تمطى بصُلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل
فجعل لليل صلباً وصدراً على جهة التشبيه، فحسن بذلك شعره.
وقال غيره:
من كميت أجادها طابخاها ... لم تمت كل موتها في القدور
أراد بالطابخين: الليل والنهار على جهة التشبيه.
وقال آخر:
تبكي هاشماً في كل فجر ... كما تبكي على الفنن الحمام
وقال الآخر:
عَجِبْتُ لها أَنَّى يَكُونُ غِناؤها ... فَصيحاً ولم تفتح بمنطقها فما
فجعل لها غناء وفماً على جهة الاستعارة.