"وأنت لا ترى كلاماً أبلغ من هذا الكلام . .".
هذه الصور الثلاث آثر القرآن أن يخرجها هذا الخرج الماثل الشاخص.
* موازنة بين الصور الثلاث:
ولنوازن بين هذه الصور الثلاث ، التي كان"الحرف"و"الشفا"يمثلان
فيها أجمل لقطة من لقطات الخيال. ولنقدم لهذه الموازنة بتمهيد:
أولاً: إن أبطال أو شخوص هذه الصور مختلفون حالاً مع التقارب في
الوصف العام ، فالذي يعبد الله على حرف - الذي هو بطل الصورة الأولى - عنده حظ من إيمان وإن ضؤل. فهو - إذن - على شُعبة من هدى ، وبسبب نجاة.
ثانياً: أما أبطال الصورة الثانية: (وكُنتُمْ عَلى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النارِ . .)
فإن حالهم الذي دل عليه لفظ:"كنتم"كانت متناهية فِي الخطورة حين كانوا متلبسين بتلك الحال. واستجابتهم إلى داعي الهدى (فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) دليل على حسن استعدادهم لتلقى التريية الصالحة إذا ما تهيأت لهم ظروفها ، وحمل مشعلها هاد صالح على قدر عظيم من الخُلق والفضيلة.
ثالثاً: وأما بطل الصورة الثالثة:
(أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)
فذو نفس خبيثة. أصرت على رفض الهدى ،
ولجت فِي عتوها ونفورها. فليس لها من ماضيها أو حاضرها ما يشفع لها
ويدفع عنها سوء المصير.
* أثر هذه الفروق:
إذا وضعنا أمامنا هذه الفروق الواضحة بين أبطال الصور الثلاث.
ثم عمدنا نحلل التعبير إزاء كل صورة منها ، رأينا الدقة والسحر يتمثلان أروع تمثيل فِي الصور الثلاث.
فـ"الحرف"فِي الصورة الأولى: (مَنْ يَعْيُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ)
و"الشفا"فِي الصورة الثانية: (وكُنتُمْ عَلى شَفَا حُفْرَةٍ مَنَ النارِ) نلحَظ
بينهما هذا الفرق: أن"الحرف"متروك على حالته. لم يستتبع بوصف يفيد
أكثر من أنه حرف ، حرف وكفى ، أما"الشفا"فقد وُصفَت بأنها حفرة من
النار.