«فإن قيل» : فَلِمَ راجع بهذا القول بعد أن بُشَّرَ بالولد؟
ففيه جوابان: أحدهما: أنه راجع ليعلم على أي حال يكون منه الولد , بأن يُرّدّ هو وامرأته إلى حال الشباب , أم على حال الكبر , فقيل له: كذلك الله يفعل ما يشاء , أي على هذه الحال , وهذا قول الحسن.
والثاني: أنه قال ذلك استعظاماً لمقدور الله وتعجباً.
قوله تعالى: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً}
«فإن قيل» : فما المعنى في الإخبار بكلامه كهلاً وذلك لا يستنكر؟
ففيه قولان:
أحدها: أنه يكلمهم كهلاً بالوحي الذي يأتيه من الله تعالى.
والثاني: انه يتكلم صغيراً في المهد كلام الكهل في السنّ.
{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}
«فإن قيل» : فَلِمَ قال (كنتم خير أمة) ولم يقل أنتم خير أمة؟
ففيه أربعة أجوبة:
أحدها: أن الله تعالى قد كان قدم البشارة لهم بأنهم خير أمة , فقال: {كُنْتُمْ} يعني إلى ما تقدم في البشارة , وهذا قول الحسن البصري. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَنتُم تُتِمَّونَ سَبْعِن أُمةً أَنْتُم خَيرُها وأَكْرمُها عَلَى اللهِ) .
والثاني: أن ذلك لتأكيد الأمر لأن المتقدم مستصحب وليس الآنف متقدماً , وذلك مثل قوله تعالى: {وكان الله غفوراً رحيماً} .
والثالث: معناه خلقهم خير أمّة.
والرابع: كنتم خير أمّة في اللوح المحفوظ.
{يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}
يعني ما يظهرونه من الإسلام وليس في قلوبهم منه شيء .
وإنما قال: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم} وإن كان القول لا يكون إلا به لأمرين: أحدهما: التأكيد.
والثاني: أنه ربما نسب القول إلى الساكت مجازاً إذ كان به راضياً.
قوله تعالى: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ}
«فإن قيل» : فقد علمواْ أن الله تعالى منجز وعده فما معنى هذا الدعاء والطلب؟
ففي ذلك أربعة أجوبة:
أحدها: أن المقصود به , مع العلم بإنجاز وعده , الخضوع له بالدعاء والطلب.
والثاني: أن ذلك يدعو إلى التمسك بالعمل الصالح.
والثالث: معناه أجعلنا ممن وعدته ثوابك.
والرابع: يعني عّجل إلينا إنجاز وعدك وتقديم نصرك.
قوله تعالى: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ}
«فإن قيل» : فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز عليه الاغترار فكيف خوطب بهذا؟
فعنه جوابان: أحدهما: أن الله عز وجل إنما قال له ذلك تأديباً وتحذيراً.