وهو فك التركيب والفسخ فيما هو محسوس.
والمآل واحد فِي جميع التفسيرات.
وهذا يمضى بكون النقض واقعاً على العهد مجازاً شُبِّهَ فيه المعنوي بالحسي تصويراً للمعنى وتشخيصاً ليكون أوضح وأمثل أمام النظر.
قال الزمخشري فِي توجيه المجاز فِي الآية المذكورة:
"النقض: الفسخ وفك التركيب."
فإن قلت: من أين ساغ استعمال النقض فِي إبطال العهد ؟
قلتُ: من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة
لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين ، ومنه قول ابن التيهان فِي بيعة العقبة:
يا رسول الله ، إن بيننا ويين القوم حبالاً ونحن قاطعوها.
فنخشى إن الله - عز وجل - أعزك وأظهرك أن ترجع إلى قومك.
وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روادفه ، فينبهوا بتلك الرمزة عَلى مكانه.
ونحوه قولك: شجاع يفترس أقرانه ، وعالِم يغترف منه الناس ،
وإذا تزوجتَ امرأة فاستوثرها. لم تقل هذا إلا وقد نبهتَ على
الشجاع والعالِم بأنهما أسد وبحر ، وعلى المرأة بأنها فراش"."
والاستعارة التي يقصدها الزمخشري هنا هي الاستعارة المكنية لأن تحليله
لمجاز الآية ينطبق عليها.
وعلى هذا فإن العهد قد سمى بالحبل. فالحبل مشبَّه به ، حُذف ورُمِزَ له بشيء من لوازمه الذي هو النقض. والقرينة هي إثبات النقض للعهد.
أما الجامع بين الحبل والعهد ، فهو الإحكام والاستيثاق.
وقد أظهر المجاز المعنى فِي صورة المحسوس ليكون أبين وأظهر ، وليُنَفًر من
هذا السلوك المشين لأن فك إحكام الحبل هدم لعمل بذل فيه صاحبه جهداً ، ولأن الحبل بعد فكه يصبح عديم الجدوى.
*"نقض". . فِي القرآن:
وقد جاءت هذه الكلمة"نقض"بمعنى المجاز أيضاً فِي مواضع أخرى من
القرآن الكريم ، مراداً بها فيها ما أريد بها هنا. مثل قوله تعالى: