في القلوب من الاعتبارات التي لا يعتريها شك وريب، وذلك ما يبلغه العبد، وبه يستحق اسم الخلافة لله المذكور في قوله: (وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ) ، ثم قال: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) ، أي عالم بجميع ما ينطوي عليه من الضمائر الطيبة والخبيثة.
وخصَّ الصدور دون القلب إذ هي أعم.
قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا)
«إن قيل» : إذا كان الإِخوان هم المقول لهم، فالوجه أن يُقال:
لو كنتم، لأنه يقال: قلت لزيد: لو فعلت كذا، ولا تقول فَعَلَ وأنت
تعنيه، قيل معناه: قال بعضهم لبعض لأجل إخوانهم، أو
يعني قالوا لبعض إخوانهم إذا ضرب بعضهم في الأرض لو كان
الضاربون في الأرض عندنا. وتقدير الكلام: إذا ضربوا في
الأرض فماتوا أو كانوا غُزًّى فقتلوا: لو ظَلُّوا عندنا لما حدث
ذلك بهم، وبيّن الله تعالى أن ذلك لا يثمر لهم إلا حسرة في
قلوبهم مع العلم بأن الله هو المحيي والمميت، وعلى نحوه قال
أبو ذؤيب:
يقولون لي لوكان بالرمل لم يمت... نُشيبة والطرّ أو يكذب قيلُها
ولو أنني استودعته الشمس لارتقت... إليه المنايا عينُها أو رسولها.
«إن قيل» : لِمَ قال: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ولو علّق ذلك
بالسماع لكان أليق، لأن ما كان منهم قول مسموع لا فعل مرئي؟
قيل: لما كان قول الكافرين ذلك قصداً منهم إلى عمل يجادلونهم
خص البصر، كقولك لن يقول شيئاً وهو يقصد به فعلا يحاوله:
أنا أرى ما يفعله.
«إن قيل» : (إذا) للمستقبل، وقد جُعِل ظرفا لقوله قالوا، ولا يجوز أن يقول: جئتك إذا زرتني، فما وجه ذلك؟
قيل: (إذا) متى لم يُقصد به وقت معين، كان متضمّناً للشرط.
فيكون الفعل الذي هو في تقدير جوابه بمعنى الاستقبال، وكأنه قيل: إن ضربتم في الأرض، أو كلما ضربتم قالوا، واللام: (لِيَجْعَلَ اللَّهُ) لام العاقبة.