فهذا الذي قال يبطل في اللغة وَفِي المَعْنَى وإنَّما الآيةُ في هذا أنَّ المشركين كانوا تسعمائة وخمسين وكان المسلمون ثلاثَمائةٍ وأربعةَ عشرَ فأرى اللَّه - جلَّ وعزَّ - المشركين أنَّ المسلمين أقَل من ثلاثمائة واللَّه قد أعلم المسلمين أن المائة تغلب المائتين فأراهم المشركين على قدر ما أعلمهم أنهم يغلبونهم لِيُقَوِّيَ قلوبهم، وأرى المشركين المسلمين أقل - من عدد المسلمين، ثم ألقَى مع ذلك في قلوبهم الرعب فجعلوا يرون عدداً قليلاً مع رعب شديد حتى غُلِبُوا.
والدليل على صحة هذا القول قول اللَّه عزَّ وجلَّ: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا) .
فهذا هو الذي فيه آية أن يُرَى الشيء بخلاف صورته - واللَّه أعلم - .
(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ...(18)
والقسط في اللغة العدل: قال اللَّه - (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ)
أي بالعدل، ويقال أقسط الرجل إذا عدل وقسط إذا جار والعادل مقسط والجَائِر قَاسِط - قال اللَّه: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) أي اعدلوا إن اللَّه يحب العادلين.
وقال: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) .
فإن قال قائل: فمن أين جاءَ من لفظ القسط ما معناه الجور وأصله العدل؟
فإِنما ذلك كقولك عدل الرجل على القوم يعدل عدلا ومعْدِلة وَمَعْدَلَةً، إذا هو أنصفهم، وَعَدَلَ عَن الحق عدْلاً إِذَا جَارَ، فكذلك جاءَ من لفْظ القَسْطِ ما مَعْناه الجور كما جاءَ ما معناه العَدْلُ.
(وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ...(21)
ومعنى (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ) ههنا قيل فيه قولان: