وأما رفع الوسائط فقوله حين عرضه جبريل عليه السلام في الهوا وهم يعذبونه في لجة الهلاك، وما الرضا ففي ذبح الولد قد أظهر الرضا، بما أمره وما راجع الحق تعالى في ولده كما راجعه نوح عليه السلام في ولده {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} [هود: 45] ، فأخبره تعالى كمال رضاه بقوله: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: 103] فلما خرج عن عهده إتمام كلمات الابتلاء فزيد له في الاصطفاء والاجتباء وأكرم بكرامة الأنبياء والاقتداء بقوله تعالى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} [البقرة: 124] ، وقد قيل: وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان وفي قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ} [البقرة: 124] ، معنيان:
أحدهما: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} [البقرة: 124] ، تهدي الناس إلى طريق خلتي بأقوالك وأفعالك وأخلاقك على طريق هدايتك إليها بعد أن أسلموا الأحكام منا كما أسلمت وصبروا على بلائنا كما صبرت وأيقنوا بآياتنا كما أيقنت يدل على هذا المعنى قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ} [السجدة: 24] .
والثاني: جاعلك إماماً لمن يدعي محبتي ويريد خلتي أبداً ليقتدى بك فيما ابتليتك من موجبات الخلة ذكره بأداء حقوقها والخروج عن عهدة شرائطها كما أجرى منك والذي يدل على هذا المعنى قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] .