كافٌّ عنا"؟ بمعنى: اكفف عنا، وكما يقول الرجل للرجل:"أينَ، أين"؟ بمعنى: أقم فلا تبرح، ولذلك جُوزي في الاستفهام كما جوزي في الأمر في قراءة عبد الله: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ آمِنُوا) [سورة الصف: 10، 11] ، ففسرها بالأمر، وهي في قراءتنا على الخبر. فالمجازاة في قراءتنا على قوله: (هل أدلكم) وفي قراءة عبد الله على قوله: (آمنوا) على الأمر، لأنه هو التفسير."
{فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25) }
«فإن قال قائل» : وكيف قيل: (فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه) ولم يقل: في يوم لا رَيب فيه؟
قيل: لمخالفة معنى"اللام"في هذا الموضع معنى"في". وذلك أنه لو كان مكان"اللام" (في) لكان معنى الكلام: فكيف إذا جمعناهم في يوم القيامة، ماذا يكون لهم من العذاب والعقاب؟ وليس ذلك المعنى في دخول (اللام) ولكن معناه مع"اللام": فكيف إذا جمعناهم لما يحدُث في يوم لا ريب فيه، ولما يكون في ذلك اليوم من فَصْل الله القضاءَ بين خلقه، ماذا لهم حينئذ من العقاب وأليم العذاب؟ فمع"اللام"في"ليوم لا ريب فيه"نيَّة فِعْل، وخبرٌ مطلوب قد
ترك ذكره، أجزأت دلالةُ دخول"اللام"في"اليوم"عليه، منه. وليس ذلك مع (في) فلذلك اختيرت"اللام"فأدخلت في (اليوم) دون"في".
قوله: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ... (39) }
اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعضُ أهل الكوفة والبصرة:"فنادته الملائكة"على التأنيث بالتاء، يراد بها: جمع"الملائكة". وكذلك تفعل العرب في جماعة الذّكور إذا تقدّمت أفعالها، أنَّثت أفعالها، ولا سيما الأسماء التي في ألفاظها التأنيث، كقولهم: جاءَت الطَّلحات"."