* الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْتِبْشَارَهُمْ بِسَعَادَةِ إِخْوَانِهِمْ أَتَمُّ مِنِ اسْتِبْشَارِهِمْ بِسَعَادَةِ أَنْفُسِهِمْ، لِأَنَّ الِاسْتِبْشَارَ الْأَوَّلَ فِي الذِّكْرِ هُوَ بِأَحْوَالِ الْإِخْوَانِ، وَهَذَا، تَنْبِيهٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّ فَرَحَ الْإِنْسَانِ بِصَلَاحِ أَحْوَالِ إِخْوَانِهِ وَمُتَعَلِّقِيهِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَتَمَّ وَأَكْمَلَ مِنْ فَرَحِهِ بِصَلَاحِ أَحْوَالِ نَفْسِهِ.
(إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ)
فِيهِ سُؤَالٌ: وَهُوَ أَنَّ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ بِالشَّيْطَانِ إِنَّمَا خَوَّفُوا الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ) وَالْمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ، فَحُذِفَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي وَحُذِفَ الْجَارُّ، وَمِثَالُ حَذْفِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) [الْقَصَصِ: 7] أَيْ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فِرْعَوْنَ، وَمِثَالُ حَذْفِ الْجَارِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا) [الْكَهْفِ: 2] مَعْنَاهُ: لِيُنْذِرَكُمْ بِبَأْسٍ وَقَوْلُهُ: (لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ) [غَافِرٍ: 15] أَيْ لِيُنْذِرَكُمْ بِيَوْمِ التَّلَاقِ، وَهَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَالزَّجَّاجِ، وَأَبِي عَلِيٍّ.
قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ يُخَوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ.