الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا عَلَى قَوْلِ الْقَائِلِ: خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا، وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ: يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ، فَحَذَفَ الْمَفْعُولَ الْأَوَّلَ، كَمَا تَقُولُ: أَعْطَيْتُ الْأَمْوَالَ، أَيْ أَعْطَيْتُ الْقَوْمَ الْأَمْوَالَ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَهَذَا أَوْلَى مِنِ ادِّعَاءٍ جَارٍ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ: (لِيُنْذِرَ بَأْسًا أَيْ لِيُنْذِرَكُمْ بَأْسًا) وَقَوْلُهُ: (لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ) أَيْ لِيُنْذِرَكُمْ يَوْمَ التَّلَاقِ وَالتَّخْوِيفُ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ مِنْ غَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ تَقُولُ: خَافَ زَيْدٌ الْقِتَالَ، وَخَوَّفْتُهُ الْقِتَالَ وَهَذَا الْوَجْهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ الْمُنَافِقِينَ لِيَقْعُدُوا عَنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَالْمَعْنَى الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ وَيُؤْثِرُونَ أَمْرَهُ، فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَخَافُونَهُ إِذَا خَوَّفَهُمْ وَلَا يَنْقَادُونَ لِأَمْرِهِ وَمُرَادِهِ مِنْهُمْ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَالسُّدِّيِّ، فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ فِيهِ مَحْذُوفَانِ، وَالثَّانِي فِيهِ مَحْذُوفٌ وَاحِدٌ، وَالثَّالِثُ لَا حَذْفَ فِيهِ.
وَأَمَّا الْأَوْلِيَاءُ فَهُمُ الْمُشْرِكُونَ وَالْكُفَّارُ، وَقَوْلُهُ: (فَلا تَخافُوهُمْ) الْكِنَايَةُ فِي الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ عَائِدَةٌ إِلَى الْأَوْلِيَاءِ.
وَفِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ عَائِدَةٌ إِلَى النَّاسُ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) [آلِ عِمْرَانَ: 173] فَلا تَخافُوهُمْ فتقعدوا عن القتال وتجنبوا وَخافُونِ فَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِي وَسَارِعُوا إِلَى مَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) يَعْنِي أَنَّ الْإِيمَانَ يَقْتَضِي أَنْ تُؤْثِرُوا خَوْفَ اللَّهِ عَلَى خوف الناس.
(وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ(176)