قُلْنَا: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ دُعَاءٌ بِازْدِيَادِ مَا يُوجِبُ هَذَا الْغَيْظَ وَهُوَ قُوَّةُ الْإِسْلَامِ فَسَقَطَ السُّؤَالُ: وَأَيْضًا فَإِنَّهُ دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ بِالْمَوْتِ قَبْلَ بُلُوغِ مَا يَتَمَنَّوْنَ.
(إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)
إِطْلَاقُ لَفْظِ الْمُحِيطِ عَلَى اللَّهِ مَجَازٌ، لِأَنَّ الْمُحِيطَ بِالشَّيْءِ هُوَ الَّذِي يُحِيطُ بِهِ مِنْ كُلِّ جَوَانِبِهِ، وَذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ، لَكِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ عَالِمًا بِكُلِّ الْأَشْيَاءِ قَادِرًا عَلَى كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ، جَازَ فِي مَجَازِ اللُّغَةِ أَنَّهُ مُحِيطٌ بِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ (وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ) [الْبُرُوجِ: 20] وَقَالَ: (وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ) [الْبَقَرَةِ: 19] وَقَالَ: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) [طَهَ: 110] وَقَالَ: (وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) [الْجِنِّ: 28] .
* إِنَّمَا قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ اللَّهَ مُحِيطٌ بِمَا يَعْمَلُونَ لِأَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ الْأَهَمَّ وَالَّذِي هُمْ بِشَأْنِهِ، أَعْنَى وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ هَاهُنَا بَيَانَ كَوْنِهِ تَعَالَى عالما، بَيَّنَّا أَنَّ جَمِيعَ أَعْمَالِهِمْ مَعْلُومَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَمُجَازِيهِمْ عَلَيْهَا فَلَا جَرَمَ قَدْ ذَكَرَ الْعَمَلَ والله أعلم.
قَوْلُهُ (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(121)
يُرْوَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ غَدَا مِنْ مَنْزِلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَمَشَى عَلَى رِجْلَيْهِ إِلَى أُحُدٍ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالْوَاقِدِيِّ، فَدَلَّ هَذَا النَّصُّ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ أَهْلًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ تعالى: (الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ) [النُّورِ: 26] فَدَلَّ هَذَا النَّصُّ عَلَى أَنَّهَا مُطَهَّرَةٌ مُبَرَّأَةٌ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ وَلَدَ نُوحٍ لَمَّا كَانَ كَافِرًا قَالَ: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) [هُودٍ: 46] وَكَذَلِكَ امْرَأَةُ لُوطٍ.