وثالثها: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قَالَ سُبْحَانَهُ: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) [الْإِسْرَاءِ: 1] وَالْمُرَادُ مِنْ كَوْنِهِ حَرَامًا سَيَجِيءُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ.
* فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ) وَبَيْنَ قَوْلِهِ (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ) [الْحَجِّ: 26] فَأَضَافَهُ مَرَّةً إِلَى نَفْسِهِ وَمَرَّةً إِلَى النَّاسِ؟
وَالْجَوَابُ: كَأَنَّهُ قِيلَ: الْبَيْتُ لِي وَلَكِنْ وَضَعْتُهُ لَا لِأَجْلِ مَنْفَعَتِي فَإِنِّي مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَاجَةِ وَلَكِنْ وَضَعْتُهُ لَكَ لِيَكُونَ قِبْلَةً لِدُعَائِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(97)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ)
فِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهِ وَهِيَ: أَمْنُ الْخَائِفِ، وَانْمِحَاقُ الْجِمَارِ عَلَى كَثْرَةِ الرَّمْيِ، وَامْتِنَاعُ الطَّيْرِ مِنَ الْعُلُوِّ عَلَيْهِ وَاسْتِشْفَاءُ الْمَرِيضِ بِهِ وَتَعْجِيلُ الْعُقُوبَةِ لِمَنِ انْتَهَكَ فِيهِ حُرْمَةً، وَإِهْلَاكُ أَصْحَابِ الْفِيلِ لَمَّا قَصَدُوا تَخْرِيبَهُ فَعَلَى هَذَا تَفْسِيرُ الْآيَاتِ وَبَيَانُهَا غَيْرُ مَذْكُورٍ.
وَقَوْلُهُ (مَقامُ إِبْراهِيمَ) لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِقَوْلِهِ (فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ) فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَقَرُّهُ وَالْمَوْضِعُ الَّذِي اخْتَارَهُ وَعَبَدَ اللَّهَ فِيهِ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الْخِلَالِ الَّتِي بِهَا يُشَرَّفُ وَيُعَظَّمُ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تَفْسِيرَ الْآيَاتِ مَذْكُورٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ (مَقامُ إِبْراهِيمَ) أَيْ: هِيَ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ.
«فَإِنْ قِيلَ» : الْآيَاتُ جَمَاعَةٌ وَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُهَا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ، أَجَابُوا عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ: