وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا قَامَتِ الْمُعْجِزَاتُ عَلَى صِدْقِ الْوَحْيِ فِي كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ لَا جَرَمَ حَصَلَ الْوُثُوقُ هُنَاكَ بِأَنَّ الْوَحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِوَاسِطَةِ الْمَلَائِكَةِ وَلَا مَدْخَلَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ، أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَبِالْوَلَدِ فَرُبَّمَا لَمْ يَتَأَكَّدْ ذَلِكَ الْمُعْجِزُ فَلَا جَرَمَ بَقِيَ احْتِمَالُ كَوْنِ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلَا جَرَمَ رَجَعَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنْ يُزِيلَ عَنْ خَاطِرِهِ ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ.
(قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ(41)
اعْلَمْ أَنَّ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ لِفَرْطِ سُرُورِهِ بِمَا بُشِّرِ بِهِ وَثِقَتِهِ بِكَرَمِ رَبِّهِ، وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِ أَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ عَلَامَةً تَدُلُّ عَلَى حُصُولِ الْعُلُوقِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعُلُوقَ لَا يَظْهَرُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَقَالَ: (رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا)
وَفِيهِ مسائل: المسألة الأولى: ذكره هَاهُنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَذَكَرَ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ ثلاثة ليالي فَدَلَّ مَجْمُوعُ الْآيَتَيْنِ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ كَانَتْ حَاصِلَةً فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ مَعَ لَيَالِيهَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ذَكَرُوا فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ وجوهًا: