وَالْجَوَابُ: أَنَّ قَوْلَهُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ يُفِيدُ أَنَّ بِيَدِهِ الْخَيْرَ لَا بِيَدِ غَيْرِهِ، وَهَذَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ بِيَدِ غَيْرِهِ وَلَكِنْ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَبِيَدِهِ مَا سِوَى الْخَيْرِ إِلَّا أَنَّهُ خَصَّ الْخَيْرَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الْأَمْرُ الْمُنْتَفَعُ بِهِ فَوَقَعَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ لِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ الْقَاضِي: كُلُّ خَيْرٍ حَصَلَ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ فَلَوْلَا أَنَّهُ تَعَالَى أَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ وَهَدَاهُمْ إِلَيْهِ لَمَا تَمَكَّنُوا مِنْهُ، فَلِهَذَا السَّبَبِ كَانَ مُضَافًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا أَنَّ هَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ بَعْضُ الْخَيْرِ مُضَافًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَصِيرُ أَشْرَفُ الْخَيْرَاتِ مُضَافًا إِلَى الْعَبْدِ، وَذَلِكَ عَلَى خِلَافِ هَذَا النَّصِّ.
(قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(29)
وَفِي الآية سؤالات:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: هَذِهِ الْآيَةُ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ فَقَوْلُهُ (إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ) شَرْطٌ وَقَوْلُهُ (يَعْلَمْهُ اللَّهُ) جَزَاءٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَزَاءَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى الشَّرْطِ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ، فَهَذَا يَقْتَضِي حُدُوثَ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ تَعَلُّقَ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ حَصَلَ الْآنَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا عِنْدَ حُصُولِهِ الْآنَ، ثم أن هذه التَّبَدُّلَ وَالتَّجَدُّدَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي النِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ وَالتَّعْلِيقَاتِ لَا فِي حَقِيقَةِ الْعِلْمِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَهَا غَوْرٌ عَظِيمٌ وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: مَحَلُّ الْبَوَاعِثِ وَالضَّمَائِرِ هُوَ الْقَلْبُ، فَلِمَ قَالَ: (إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ) وَلَمْ يَقُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي قُلُوبِكُمْ؟