فحاصله، أنّ صيغة المبالغة تارة تكون باعتبار زيادة ذات الفعل، وتارة باعتبار صفته. ففعل الظلم لو وجد من الله تعالى وتقدس لكان أعظم من ألف ظلم يوجد من عبيده؛ باعتبار زيادة وصف القبح؛ ونظيره قوله تعالى: (وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا) [الأحزاب: 72] على ما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
[126] فإن قيل: في قوله تعالى: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) [آل عمران: 184] من حقّ الجزاء أن يتعقّب الشّرط، وهذا سابق له؟
قلنا: جواب الشّرط محذوف، إذ لا يصلح قوله: (فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ)
[آل عمران: 184] ، جوابا؛ لأنه سابق عليه. ومعناه: وإن يكذبوك فتأسّ بتكذيب الرّسل قبلك، وضعا للسّبب، وهو تكذيبهم، موضع المسبّب، وهو التأسي بهم.
[127] فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (وَلا تَكْتُمُونَهُ، في قوله:(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) [آل عمران: 187] ، والأوّل مغن عن الثّاني؟
قلنا: معناه ليبيّننّه في الحال، ويدومون على ذلك البيان ولا يكتمونه، في المستقبل.
الثاني: أن الضّمير الأوّل للكتاب، والثاني لنعت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وذكره، فإنّه قد سبق ذكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قبيل هذا.
[128] فإن قيل: متى بيّنوا الكتاب لزم من بيانه بيان صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وذكره؛ لأنّه من جملة الكتاب الّذي هو التّوراة والإنجيل؛ فقوله، بعد ذلك، ولا يكتمونه تكرار.
قلنا: على هذا يكون تأكيدا.
[129] فإن قيل: كيف قال: (رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) [آل عمران: 192] ، وقال: (في موضع آخر: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) [التحريم: 88] ؛ ويلزم من هذا أن لا يدخل المؤمنين النار كما قالت المعتزلة والخارجيّة؟
قلنا: أخزيته بمعنى أذللته وأهنته، من الخزي وهو الذلّ والهوان؛ وقوله: (يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) [التحريم: 88] من الخزاية وهي النكال والفضيحة.