[105] فإن قيل: أيّ معجزة لعيسى، عليه الصلاة والسلام، في تكليم الناس كهلا؟ وأيّ خصوصيّة له في هذا؛ حتّى قال: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا) [آل عمران: 46] ؟
قلنا: معناه ويكلّم الناس، في هاتين الحالتين، بكلام الأنبياء؛ من غير تفاوت بين حال الطفوليّة وحال الكهوليّة الّتي يستحكم فيها العقل، وينبّأ فيها الأنبياء. فكأنه
قال: (ويكلّم الناس في المهد، كما يكلّمهم كهلا. وقال الزّجّاج: هذا، خرج مخرج البشارة لمريم أنّه، عليه الصلاة والسلام، سيبقى إلى زمن الكهولة. فهو بشارة لها بطول عمره. وقيل: المقصود منه أنّ الزّمان يؤثّر فيه، كما يؤثّر في غيره، وينقله من حال إلى حال؛ ولو كان إلها لم يجز عليه التغيير.
[106] فإن قيل: كيف قال: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ) [آل عمران: 5] ؛ والله تعالى رفعه ولم يتوفه؟
قلنا: لمّا هدّده اليهود بالقتل، بشّره الله بأنه إنّما يقبض روحه بالوفاة لا بالقتل؛ والواو لا تفيد التّرتيب؛ فلا يلزم من الآية موته قبل رفعه.
الثّاني: أنّ فيه تقديما وتأخيرا، أي أنّي رافعك ومتوفيك.
والثّالث: أنّ معناه: قابضك من الأرض تامّا، وافيا في أعضائك وجسدك، لم ينالوا منك شيئا؛ من قولهم: توفّيت حقّي على فلان، إذا استوفيته تامّا وافيا.
الرّابع: أنّ معناه: إنّي متوفّيك في نفسك بالنّوم، من قوله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها) [الزمر: 42] ورافعك إليّ، وأنت نائم؛ حتّى لا تخاف، بل تستيقظ وأنت في السماء.
[107] فإن قيل: كيف قال: (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ) [آل عمران: 59] ، وآدم خلق من التراب، وعيسى خلق من الهواء؛ وآدم خلق من غير أب وأمّ، وعيسى خلق من أمّ.
قلنا: المراد به التّشبيه في وجوده بغير واسطة أب. والتّشبيه لا يقتضي المماثلة من جميع الوجوه، بل من بعضها.
[108] فإن قيل: كيف خصّ أهل الكتاب بأنّ منهم أمينا وخائنا، بقوله: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) [آل عمران: 75] الآية؛ والمسلمون وغيرهم من أهل الملل كذلك، منهم الأمين والخائن.