{كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} فذكر هذا الاسم دون غيره لأن فيه معنى أنه نعمهم وثبتهم ورباهم وقام بمصالحهم، حتى بلغوا حد التكليف المبلغ الذي قدروا فيه على أداء حق الإنعام، فلما غيروا ما أنعم الله به عليهم من جهته، وصرفوه إلى معصيته وتقووا بنعمته على مخالفته، سلبهم ذلك في الدنيا بأن عجل هلاكهم فأغرقهم، والعقاب المؤخر ذكره في هذه الآية الأخيرة مما يفعله أهل الدنيا بعضهم ببعض، فذكره عقيب إنعامه عليهم، وتغييرهم له بوضع الكفر موضع الشكر، فغير الله سابق الأنعام بيد الانتقام. وكما غيروا غير عليهم، فالعقاب الأول أولى أن يكون المراد به عقاب الآخرة لأن فيه الإخبار بالاحتراق، والثاني هو العذاب بالإغراق. مثل قوله: {ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ}
وتعقيبه بقوله: {كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} وقوله في سورة آل عمران:
{وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} فذكر أنهم وقود النار وذلك في الآخرة، ثم قال: {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ}
فذكر الاسم الذي يفيد ما هو حجة عليهم، كما ذكرنا قبل.
وجواب آخر وهو: أنه يجوز أن يكون الأول خبرا عن عادتهم في الأشر والبطر والطغيان عند الاستغناء، والمعنى: جرت عادتهم بمقابلة الإحسان بقبيح العصيان، ويكون الأخير بعد ذكر الله معاقبتهم على فعلهم خبرا عما أجرى الله به العادة في عقاب مثلهم.
وكان معنى الأول: عودوا من أنفسهم عادة، ومعنى الثاني: عودوا إذا فعلوا ذلك عادة،
وهي سلب نعمة الدنيا، والنقل إلى عذاب الأخرى والله أعلم بالمراد.
الآية الثانية