ويذكرها إلا عائشةُ وحدَها لولا قلةُ التحصيلِ والذهابِ عن معرفةِ الضروراتِ وما عليه تركيبُ الفِطَرِ والعادات.
فقد بأن بجملةِ ما وصفناه من حالِ الرسولِ والصحابةِ أنه لا يجوزُ أن
يذهبَ عليهم شيء ٌ من كتاب الله تعالى قلَّ أو كَثرُ ، وأنّ العادةَ تُوجِبُ أن
يكونوا أقربَ الناسِ إلى حفظِه وحراستِه وما نزلَ منه وما وقع وتاريخهِ
وأسبابهِ وناسخِه ومنسوخِه ، وأن مَن حملَ قولَ قائلهم:"وما يدريك لعله قد"
سقط به أو ذهبَ قرآنٌ كثيرٌ"على أنه دُثِرَ وضاعَ ونُقِلَت عن سائر الصحابةِ"
وجميعِ الأمة لإعراضِها عن إعظامه وقلةِ رغبتها فِي حفظه وحراسته
واشتغالِها عنه بغيره وما هو عندَهم أهمُّ منه: فقد صارَ من الجهلِ بالعاداتِ
وما عليه أحوالُ الناس إلى أمرٍ عظيم.
فوجبَ بذلك حملُ جميعِ ما رُوِيَ عن آحادِ الصحابة من هذه الأقاويلِ
التي ذكرناها وما لم نذكره منها أيضا على التأويلِ والتفسيرِ الذي أوضحناه .
دون ما يظُنه من لا علمَ له ولا تحصيلَ عندَه ، وبالله التوفيق.
(باب)
تعلُّقِهم بما يروونه من مشاجرة الحسن بن علي عليه السلام لسعيد بن العاص رحمةُ الله عليه
فأمَّا تعلقُهم فِي ذلك بما رُوي من مشاجرةِ سعيد بن العاص للحسن بن
علي ، وإن سعيداً قال للحسن:"أما إني قد أدخلت فِي كتابكم ألفَ"
حرف ، وأسقطت منه ألفَ حرف ، فقال له الحسن: فأنا مؤمنٌ بما أسقطتَ
كافرٌ بما أدخلت ، فقال له: ليس حيثُ يذهبُ إنما أردت إصلاح اللحن منه ، فقال له الحسن: فأيُّ الثلاثة لَحَن: اللهُ تعالى الذي تكلَّم به ، أم جبريلُ الذي نزل به ، أم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الذي بلَّغه ،"فإنه أيضاً مما لا تعلق لهم فيه من وجوه."
أحدُها: إنَّ هذه الرواية باطلةٌ غيرُ ثابتةُ ولا تُعرفُ صحَّتُها باضطرارٍ ولا
بنظرٍ واستدلال.
والثاني: أنّها معارضةٌ بما نعرفُه ضرورةً من جمعِ عثمانَ لزيد بن ثابتٍ