على من له قتل على جان ، ورغب فِي القصاص أن يقتله بأحسن وجوه القتل.
وقالوا: إذا ثبت حديث أنس ، كان منسوخا بالنهي عن المثلة ، وحكي عن القاسم بن معن أنه حضر مع شريك بن عبد اللّه «1» عند بعض السلاطين ، فقال: ما تقول فيمن رمى رجلا بسهم فقتله؟
قال: يرمى فيقتل ، قال: فإن لم يمت بالرمية الأولى؟
قال: يرمى ثانية.
قال: أفتتّخذونه غرضا وقد نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتّخذ شيء من الحيوان غرضا «2» ؟ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ.
قد ذكرنا أن المناسب من معاني العفو هنا: الإسقاط ، أو العطاء. فذهب الشافعي إلى أن المراد هنا الإسقاط ، والمعنى: فأيّ قاتل ترك له من أخيه شيء من القصاص فاتبعه أيها القاتل ، وأدّ إليه بإحسان ، وبناء على ذلك يكون موجب القتل العمد عنده أحد أمرين: إمّا القصاص ، وإما العفو إلى الدية ، فأيهما اختار الولي أجبر الجاني عليه. وهو رواية أشهب عن مالك. وروي عن ابن عباس: العفو أن تقبل الدية فِي العمد. ونحوه عن قتادة ، ومجاهد وعطاء ، والسدي.
وذهب غيرهم إلى أن العفو العطاء ، أي فمن أعطي له من أخيه شيء من المال فليتبعه بالمعروف ، وليؤد إليه الجاني ، وحينئذ لا يكون فِي الآية ما يدل على إلزام القاتل بالدية إذا رضيها الولي. وبناء على ذلك ذهبوا إلى أن موجب القتل العمد القصاص فقط. فإذا عفا الولي إلى الدية ، ولم يقبل الجاني لم يجبر ، وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة وهو رواية القاسم عن مالك.
ويدل للمذهب الأول ما
روي من أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إمّا أن يفدى وإما أن يقتل» «3» .
قال اللّه تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) بعد أن بيّن اللّه شرع القصاص ذكر الحكمة فيه ، فقال: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ
(1) ابن الحارث النخعي فقيه ، القاضي الكوفي أدرك زمن عمر بن عبد العزيز توفي سنة (177 ه) فِي الكوفة ، انظر الأعلام للزركلي (3/ 163) .
(2) رواه مسلم فِي الصحيح (3/ 1549) ، 34 - كتاب الصيد ، 12 - باب النهي عن صبر البهائم حديث رقم (58/ 1957) ، ورواه الترمذي فِي الجامع الصحيح (4/ 60) ، كتاب الأطعمة ، باب ما جاء فِي كراهية أكل المصبور حديث رقم (1475) .
(3) رواه البخاري فِي الصحيح (8/ 49) ، 88 - كتاب الديات ، 8 - باب من قتل له قتيل حديث رقم (6880) ومسلم فِي الصحيح (2/ 988) ، 15 - كتاب الحج ، 82 - باب تحريم مكة وصيدها حديث رقم (447/ 1355) .