يحتمل فما عدا الشوكة وتجاوزها في القلة وهي نحو نخبة النملة في قوله E:
( 29 ) "ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة"وهي عضتها . ويحتمل ما هو أشد من الشوكة وأوجع كالخرور على طنب الفسطاط . فإن قلت: كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر؟ قلت: ليس كذلك ، فإن جناح البعوضة أقل منها وأصغر بدرجات ، وقد
( 30 ) ضربه رسول الله A مثلًا للدنيا ، وفي خلق الله حيوان أصغر منها ومن جناحها ، ربما رأيت في تضاعيف الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يجليها للبصر الحادّ إلا تحركها ، فإذا سكنت فالسكون يواريها ، ثم إذا لوحتَ لها بيدك حادت عنها وتجنبت مضرتها ، فسبحان من يدرك صورة تلك وأعضاءها الظاهرة والباطنة وتفاصيل خلقتها ويبصر بصرها ويطلع على ضميرها ، ولعل في خلقه ما هو أصغر منها وأصغر { سبحان الذى خَلَق الازواج كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ } [ يس: 36 ] وأنشدت لبعضهم:
يَا مَنْ يَرَى مَدَّ البَعُوضِ جَنَاحَها ... في ظُلْمَة اللَّيْلِ البَهِيمِ الأَلْيَلِ
وَيَرى عُرُوقَ نِيَاطِها في نَحرِها ... والمُخَّ في تِلْكَ العِظَامِ النُّحَّلِ
اغْفِرْ لِعَبْدٍ تابَ مِنْ فَرَطاتِه ... ما كانَ مِنْهُ في الزَّمانِ الاوَّلِ
{ وَأَمَّا }
حرف فيه معنى الشرط ، ولذلك يجاب بالفاء . وفائدته في الكلام أن يعطيه فضل توكيد . تقول: زيد ذاهب . فإذا قصدت توكيد ذاك وأنه لا محالة ذاهب وأنه بصدد الذهاب وأنه منه عزيمة قلت: أمّا زيد فذاهب . ولذلك قال سيبويه في تفسيره: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب: وهذا التفسير مدل لفائدتين: بيان كونه توكيدًا ، وأنه في معنى الشرط . ففي إيراد الجملتين مصدّرتين به وإن لم يقل: فالذين آمنوا يعلمون ، والذين كفروا يقولون إحماد عظيم لأمر المؤمنين ، واعتداد بعلمهم أنه الحق ، ونعى على الكافرين إغفالهم حظهم وعنادهم ورميهم بالكلمة الحمقاء . و { الحق } الثابت الذي لا يسوغ إنكاره . يقال: حقّ الأمر ، إذا ثبت ووجب . وحقّت كلمة ربك ، وثوب محقق: محكم النسج: و { مَاذَآ } فيه وجهان: أن يكون ذا اسمًا موصولًا بمعنى الذي ، فيكون كلمتين . وأن يكون «ذا» مركبة مع ( ما ) مجعولتين اسمًا واحدًا فيكون كلمة واحدة ، فهو على الوجه الأوّل مرفوع المحل على الابتداء وخبره ذا مع صلته . وعلى الثاني منصوب المحل في حكم { مَّا } مجعولتين اسمًا واحدًا فيكون كلمة واحدة ، فهو على الوجه الأوّل مرفوع المحل على الابتداء وخبره ذا مع صلته . وعلى الثاني منصوب المحل في حكم { مَّا } وحده لو قلت: ما أراد الله . والأصوب في جوابه أن يجيىء على الأوّل مرفوعًا ، وعلى الثاني منصوبًا ، ليطابق الجواب السؤال . وقد جوّزوا عكس ذلك تقول في جواب من قال: ما رأيت؟ خير ، أي المرئي خير . وفي جواب ما الذي رأيت؟ خيرًا ، أي رأيت خيرًا . وقرىء قوله تعالى: