فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 3341

قرّاء المدينة والبصرة والشأم وفقهاؤها على أنّ التسمية ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها من السور ، وإنما كتبت للفصل والتبرك بالابتداء بها ، كما بدىء بذكرها في كل أمر ذي بال ، وهو مذهب أبي حنيفة - C - ومن تابعه ، ولذلك لا يجهر بها عندهم في الصلاة . وقرّاء مكة والكوفة وفقهاؤهما على أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة ، وعليه الشافعي وأصحابه رحمهم الله ، ولذلك يجهرون بها . وقالوا: قد أثبتها السلف في المصحف مع توصيتهم بتجريد القرآن ، ولذلك لم يثبتوا { آَمِينٌ } فلولا أنها من القرآن لما أثبتوها . وعن ابن عباس: «من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب الله تعالى» .

فإن قلت: بم تعلقت الباء؟ قلت: بمحذوف تقديره: بسم الله اقرأ أو أتلو؛ لأنّ الذي يتلو التسمية مقروء ، كما أنّ المسافر إذا حلّ أو ارتحل فقال: بسم الله والبركات ، كان المعنى: بسم الله أحل وبسم الله أرتحل؛ وكذلك الذابح وكل فاعل يبدأ في فعله؛ ب «بسم الله» كان مضمرًا ما جعل التسمية مبدأ له . ونظيره في حذف متعلق الجارّ قوله عزّ وجلّ: { في تسع آّيات إلى فرعون وقومه } [ النمل: 12 ] ، أي اذهب في تسع آيات . وكذلك قول العرب في الدعاء للمعرس: بالرفاء والبنين ، وقول الأعرابي: باليمن والبركة ، بمعنى أعرست ، أو نكحت . ومنه قوله:

فقُلْتُ إلى الطَّعام فقَالَ مِنْهُم ... فَرِيقٌ نحْسُدُ الإِنْسَ الطَّعَامَا

فإن قلت: لم قدّرت المحذوف متأخرًا؟ قلت: لأنّ الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به؛ لأنهم كانوا يبدءون بأسماء آلهتهم فيقولون: باسم اللات ، باسم العزى ، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عزّ وجلّ بالابتداء ، وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما فعل في قوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } ، حيث صرح بتقديم الاسم إرادة للاختصاص . والدليل عليه قوله: { بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } [ هود: 41 ] . فإن قلت: فقد قال: { اقرأ باسم رَبّكَ } [ العلق: 1 ] ، فقدّم الفعل . قلت: هناك تقديم الفعل أوقع لأنها أوّل سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم . فإن قلت: ما معنى تعلق اسم الله بالقراءة؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يتعلق بها تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم ، على معنى أنّ المؤمن لما اعتقد أنّ فعله لا يجيء معتدًا به في الشرع ، واقعًا على السنة حتى يصدر بذكر اسم الله لقوله E:

( 1 ) "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر"إلا كان فعلا كلا فعل ، جعل فعله مفعولًا باسم الله كما يفعل الكتب بالقلم . والثاني أن يتعلق بها تعلق الدهن بالإنبات في قوله: { تَنبُتُ بالدهن } [ المؤمنون: 20 ] على معنى: متبرّكًا بسم الله أقرأ ، وكذلك قول الداعي للمعرس: بالرفاء والبنين ، معناه أعرست ملتبسًا بالرفاء والبنين ، وهذا الوجه أعرب وأحسن؛ فإن قلت: فكيف قال الله تبارك وتعالى متبركًا باسم الله أقرأ؟ قلت: هذا مقول على ألسنة العباد ، كما يقولُ الرجل الشعر على لسان غيره ، وكذلك: { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } إلى آخره ، وكثير من القرآن على هذا المنهاج ، ومعناه تعليم عباده كيف يتبركون باسمه ، وكيف يحمدونه ويمجدونه ويعظمونه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت