ومن أول ما يستوقف الباحث في تلك الفترة هو ما كان من التشيّع لآل البيت، حيث قامت دولة بني العباس أول الأمر على التشيع لهم، وكان من الشيعة وزراء ومقربون في الدولة، فالمأمون تربى في حضن جعفر البرمكي، وكان الفضل بن سهل وزيره كما مرّ، وكلاهما من الشيعة.
كما كانت الكوفة مجمع الناقمين على بني أمية، ومنطلق الشيعة لبناء الدولة العباسية، ولذا فقد ساد فيها تفضيل علي رضي الله عنه على باقي الخلفاء الراشدين.
ومع تقلب هذا الأمر وتفاوت ظهوره على مختلف عهود بني العباس [1] إلا أن الكوفة ظلت محافظة على نَفَس التشيع وظهر أثر هذا في كلام علمائها [2] .
ومن أبرز مظاهر الحياة العلمية في تلك الحقبة والتي كان لها أثرها فيما بعدها من عصور الإسلام ما كان في عهد المأمون من ترجمة الكتب وظهور علم الكلام، وظهور المعتزلة نتيجة ذلك، وفتح الباب للفلاسفة وغيرهم من الفرق وإتاحة عرض أقوالهم وإظهارها والتحاور فيها.
وقد كان من نتيجة ذلك أن اقتنع المأمون بالقول بخلق القرآن، وحمل الناس على القول بهذه البدعة، وفَتَن العلماء فيها فتنة عظيمة.
(1) فالمتوكّل كان على العكس من ذلك، إذ أظهر النصب والعداء لآل البيت وأوقع بهم قتلا كثيرا وهدم قبر الحسن بن علي رضي الله عنه، وهذا منكر ولا شك، ويبدو أن هذا كان ردة فعل من العلويين بما كان بينهم من التنافس على الولاية منذ بداية الدولة.
(2) لم يزل ثعلب من أهل السنة المحافظين على سلامة العقيدة، فلم يقع في التشيع ولا في النصب، وسيأتي تفصيل هذا في المبحث السابع.